فصافّون أقدامهم ، تالون لأجزاء القرآن ، يرتّلونه ترتيلا « 11 » يعظون أنفسهم بأمثاله ، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة « 12 » وتارة ، يفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم ، يمجّدون جبّارا عظيما ، ويجأرون إليه جلّ جلاله في فكاك رقابهم « 13 » ، هذا ليلهم .
فأمّا النّهار فحلماء علماء ، بررة أتقياء براهم خوف باريهم ، فهم أمثال القداح ، يحسبهم النّاظر إليهم مرضى - وما بالقوم من مرض - ، أو قد خولطوا وقد خالط القوم من عظمة ربّهم وشدّة سلطانه أمر عظيم ، طاشت له قلوبهم « 14 » وذهلت منه عقولهم ، فإذا استفاقوا « 15 » من ذلك بادروا إلى اللّه تعالى بالأعمال الزّاكية ، لا يرضون له بالقليل ، ولا يستكثرون له الجزيل « 16 » فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إن زكّي أحدهم خاف ممّا يقولون ، وقال : أنا أعلم بنفسي من غيري وربّي أعلم بي « 17 » اللّهمّ لا
هامش
( 11 ) وفي نهج البلاغة : « تالين لأجزاء القرآن » إلخ والترتيل : تنظيم الكلام تنظيما حسنا ، وبيانه بيانا أنيقا .
( 12 ) وفي نهج البلاغة : « يحزنون به أنفسهم ويستثيرون دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم » .
( 13 ) يقال : يجأرون إليه جأرا وجؤارا - من باب منع ، والمصدر كالمنع والخوار - : يتضرعون إليه . يرفعون أصواتهم بالدعاء .
( 14 ) طاش يطيش طيشا قلبه : ذهب . وهو من باب « باع » .
( 15 ) أي إذا حصلت لهم الإفاقة والاستقامة من ذهاب قلوبهم وذهول عقولهم يتبادرون إلى التقرب إلى اللّه بالأعمال الزاكية .
( 16 ) وفي نهج البلاغة : « لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير » .
( 17 ) وفي نهج البلاغة : « إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربي أعلم مني بنفسي ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون » .