عبادته ، وكلّفهم طاعته ، وقسّم بينهم معايشهم ، ووضعهم في الدّنيا بحيث وضعهم ، ووصفهم في الدّين بحيث وصفهم [ كذا ] ، وهو في ذلك غنيّ عنهم ، لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضرّه معصية من عصاه منهم ، لكنّه تعالى علم قصورهم عمّا تصلح عليه شؤونهم ، وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم وآجلهم ، فارتبطهم بإذنه ، في أمره ونهيه « 5 » فأمرهم تخييرا ، وكلّفهم يسيرا ، وأثابهم كثيرا ، وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته بين المؤجف من أنامه إلى مرضاته ومحبّته ، وبين المبطئ عنها « 6 » والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته ، فذلك قول اللّه عزّ وجلّ :
« أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ »
[ 21 - الجاثية : 45 ] .
ثمّ وضع أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يده على منكب همّام بن عبادة ، فقال :
ألا [ و ] من سأل عن شيعة أهل البيت - الّذين أذهب اللّه عنهم الرّجس وطهّرهم في كتابه مع نبيّه تطهيرا - فهم العارفون باللّه ، العاملون بأمر اللّه ، أهل
هامش
( 5 ) دهماؤهم : جماعتهم وبنو نوعهم . وفي الطبعة الحديثة : أودهم وهم في عاجلهم وآجلهم فأدبهم بإذنه . وارتبطهم في أمره ونهيه : أوثقهم وشدهم . والمراد من الإذن - هنا - العلم ، أي إنه تعالى بحكمته وعلمه شد عباده بأوامره ونواهيه كيلا يطغوا ولا يوقعوا أنفسهم في الهلاكة ، كما يربط ويوثق الدابة الجموح لكي لا تهلك نفسها وغيرها .
( 6 ) يقال : « ماز يميز ميزا ، وميز وأماز الشيء » : فرزه عن غيره ، ووسمه بعلامة تعرف بها عن غيره . والموجف : المسرع . والمبطئ : خلافه ، أي إن اللّه تعالى بحكمه العدل وحكمته البالغة فرق بين المسارعين إلى طاعته وبين المبادرين إلى معصيته ، وعلم جباه كل واحد من الفريقين بعلامة ، فيعرف المجرمون بسيماهم ، فينادون :« وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ».