الفضائل والفواضل ، منطقهم الصّواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التّواضع ، بخعوا للّه تعالى بطاعته « 7 » وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضّين أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء ، كالّذين نزلت منهم في الرّخاء ، رضى عن اللّه بالقضاء ، فلو لا الآجال الّتي كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى لقاء اللّه والثّواب ، وخوفا من العقاب .
عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن [ قد ] رآها فهم على أرائكها متّكئون ، وهم والنّار كمن [ قد ] دخلها فهم فيها معذّبون [ ظ ] ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، ومعونتهم في الإسلام عظيمة « 8 » صبروا أيّاما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة ، وتجارة مربحة يسّرها لهم ربّ كريم « 9 » أناس أكياس ، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها « 10 » ، أمّا اللّيل
هامش
( 7 ) يقال : « بخع نفسه - من باب منع - بخعا » : أنهكها وكاد يهلكها من غضب أو غم . وبخع له نصحه : أخلصه . وبخع بخوعا وبخاعة - كسرورا وعلامة - بالحق : أقر به وأذعن .
( 8 ) أما نحافة أجسادهم فلقيامهم بالحق علما وعملا ، وصرف جهدهم فيما يسعدهم . وأما خفة حوائجهم فلاقتصارهم على البلغة ، ورفضهم عادة المترفين الذين غرتهم الدنيا .
وأما عفتهم فلما يعلمون من مضرة الشره من دخول النار ، وفوات الحور والقصور في دار الآخرة ، ومن كان كذلك فلا بد أن تكون معونته في الدين عظيمة .
( 9 ) أي أعقبت الأيام القليلة التي صبروا فيها راحة وتجارة مريحة سهّلها وهيّأها ربهم الكريم . وإرباح التجارة : نماؤها وزيادتها بالمبادلة ، في مقابل الخاسرة التي توجب نقص رأس المال .
( 10 ) أي لم يستجيبوا دعوتها فجعلوها عاجزة عن حصول طلبها . وفي نهج البلاغة :
« وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ، أما الليل . . . » .