عليه السّلام فألفيناه حين خرج يؤمّ المسجد ، فأفضى - ونحن معه - إلى نفر مبدنين قد أفاضوا في الأحدوثات تفكّها وبعضهم يلهي بعضا « 2 » فلمّا أشرف لهم أمير المؤمنين عليه السّلام أسرعوا إليه قياما ، فسلّموا فردّ [ عليه السّلام ] التحيّة ثمّ قال [ لهم ] : من القوم ؟ قالوا : أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين . فقال لهم :
خيرا ، ثمّ قال لهم : يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبّتنا أهل البيت ؟ فأمسك القوم حياء ، قال : نوف : فأقبل عليه جندب ، والرّبيع « 3 » فقالا : ما سمة شيعتكم وصفتهم يا أمير المؤمنين ؟ فتثاقل عن جوابهما وقال [ لهما ] : إتّقيا اللّه أيّها الرّجلان ، وأحسنا ف
« إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ »
« 4 » .
فقال همّام بن عبادة - وكان عابدا مجتهدا - : أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصّكم وحباكم وفضّلكم تفضيلا إلّا أنبأتنا بصفة شيعتكم .
فقال [ عليه السّلام لهمّام ] : لا تقسم فسأنبّئكم جميعا ، فأخذ بيد همّام ودخل المسجد فسبّح ركعتين أوجزهما وأكملهما وجلس وأقبل علينا ، وحفّ القوم به ، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النّبي صلّى اللّه عليه وآله ثمّ قال :
أمّا بعد فإنّ اللّه جلّ ثناؤه ، وتقدّست أسماؤه ، خلق خلقه ، فألزمهم
هامش
( 2 ) ألفيناه : وجدناه . وأفضي إلى كذا : انتهى إليه ووصل إليه . ومبدنين : عظيمي الجسم كثيري اللحم . والأحدوثات : جمع الأحدوثة : ما يتحدث به حقا كان أو باطلا ، إلّا أن الصادر من أهل الدنيا والواقع منهم في الخارج هو التحدث بالباطل والهزل . والإفاضة في الأحدوثات : هو الخوض فيه والاندفاع والإسراع إليه كاندفاع الماء والسيل من أعلى الوادي إلى أسفله . وتفكها : إلتذاذا وتمتعا كالتمتع والالتذاذ بأكل الفاكهة .
( 3 ) والذي في غير واحد من طرق هذه القضية ان هماما سأل أمير المؤمنين عليه السّلام عن نعت المتقين ، بخلاف هذه الرواية فإنها صريحة في أن جندب والربيع سألاه ابتداء ثمّ سأله همام عن نعت الشيعة .
أقول لا تنافي بين الروايات ، لأن المخلصين من الشيعة هم المتقون ، والمتقون هم الشيعة المخلصون لا غير ، وأما سؤال جندب والربيع فهذه الرواية ناطقة به ، وغيرها ساكتة عنه ولا تعارض بين الساكت والناطق .
( 4 ) اقتباس من الآية : ( 128 ) من سورة النحل : 16 ، وفيها :« إِنَّ اللَّهَ ».