عن المنكرات ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويجتنبه ، لا يدخل في الأمور بجهل ، ولا يخرج من الحقّ بعجز ، إن صمت لم يعيه الصّمت ، وإن نطق لم يعبه اللّفظ « 28 » وإن ضحك لم يعل به صوته ، قانع بالّذي قدّر له ، لا يجمح به الغيظ « 29 » ولا يغلبه الهوى ، ولا يقهره الشحّ ، يخالط النّاس بعلم ، ويفارقهم بسلم ، يتكلّم ليغنم ، ويسأل ليفهم ، نفسه منه في عناء والنّاس منه في راحة ، أراح النّاس من نفسه ، وأتعبها لآخرته ، إن بغي عليه صبر ليكون اللّه تعالى هو المنتصر ، يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله ، فهو قدوة لمن خلف من طالب البرّ بعده ، أولئك عمّال اللّه [ و ] مطايا أمره وطاعته ، وسرج أرضه وبريّته ، أولئك شيعتنا وأحبّتنا ومنّا ومعنا ، آها شوقا إليهم .
( قال : ) فصاح همّام بن عبادة صيحة وقع مغشيّا عليه ، فحرّكوه فإذا هو قد فارق الدّنيا رحمة اللّه عليه ، فاستعبر الربيع باكيا وقال : لأسرع ما أودت « 30 » موعظتك - يا أمير المؤمنين - بابن أخي ، ولوددت لو أنّي بمكانه . فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها أما واللّه لقد كنت أخافها عليه . فقال له قائل : فما بالك أنت يا أمير المؤمنين ؟ فقال : [ عليه السّلام ] :
ويحك إنّ لكلّ واحد أجلا لا يعدوه ، وسببا لن يجاوزه ، فمهلا لا تعد لها فإنّما ينفثها على لسانك الشيطان « 31 » .
قال : فصلّى عليه أمير المؤمنين عليه السّلام عشيّة ذلك اليوم وشهد
هامش
( 28 ) وفي النهج : « إن صمت لم يغمه صمته ، وإن ضحك لم يعل صوته » .
( 29 ) أي إذا غاظ المؤمن على أحد أو من شيء لا يتغلب غيظه عليه بحيث يوقعه في المهالك ويسرع إلى تشفي غيظه والاضرار بمن غاظ عليه بحيث لا يمكن رده عن هواه كالفرس الجموح المستعصي على راكبه .
( 30 ) أي أثرت عليه ، أو عطفت وانحنت عليه لازقة بقلبه .
( 31 ) وفي النهج : « فمهلا لا تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك » .