لقد أجمعوا مثل ما أجمعوا * قديماً فلم نر إلّا الفرارا
فأولى لهم ثمّ أولى لهم * وويلٌ لهم ثمّ ويلٌ مرارا
خرجنا ونكب منها الدليل * يميناً وكان السواء اليسارا
لقد أنجد الركب يا ليته * بنا أعرق اليوم من حيث سارا
ترانا نطالع تلك الربى * ويرتبع الركب تلك الديارا
فما سار إلّا يسيراً إذا * خيولٌ تجول وركبٌ أغارا
ومن كلّ وجهٍ ترى بندقاً * يرشّ علينا ونقعاً مثارا
نعم عاد مجلى وشرّ العباد * بشرٍّ يرى شرراً مستطارا
غدا حيث لم يدر أنّ الردى * معدٌّ له جهرةً أو سرارا
فطالت عليه الكماة الحماة * مراضٌ يرون الشفاء الشفارا
طنين البنادق في عدّهم * طنين الذباب إذا هو طارا
رموه بنزّاعة للشوى * وساموه سوء العذاب احتقارا
ودائرة السوء دارت عليه * وأصلته قبل القيامة نارا
فولّى فراراً لها خاسئاً * إلى حيث ألقت أعدّ الفرارا
وقد ردّه اللَّه في غيظه * وما زاده الغزو إلّا خسارا
وإذ خلع الرجس ثوب الحيا * ألبسه اللَّه خزياً وعارا
فزمزم حادي السري والمطي * ترقّص بين الفلاة انتهارا
فأضحت منازل نجدٍ لنا * منازل مجدٍ له السعد بارى
أقمنا قليلًا بها مثلما * تميط الردا أو تلوث الأزرارا
وقال العميد بها للعميد * وداعي الرحيل ينادي البدارا
تزوّد بها من شميم العرار * ستفقد بعد العشي العرارا
فسرنا ولم ندر أين المسير * أأعرق حاديهم أم أغارا
فقلت لصحبي ضللنا الطريق * وهل يهتدي من أضلّ المارا
ولم نر سيراً سوى القهقرى * كمن عدّ منه الصعود انحدارا
وتحسبنا قوم موسى بها * نتيه وأغنام برٍّ بلارا