هامش
إلّا في آخر الليل ، يخرج لزيارة الامام الكاظمين ، وصار لا يدخل على أحد ولا يراود أحداً ، واشتغل بنفسه وانغمر بفكره ، واستمرّ على ذلك أكثر من سنتين ، ثمّ عاد إلى التدريس والصلاة والقيام بحوائج الناس على ما كان عليه ، غير أنّه لا يدخل دار كلّ أحد .
واتّفق له في خلال تلك المدّة حكايات ومكاشفات وعنايات تجري مجرى الكرامات ، ذكرها صاحب دار السلام .
كان ربعة من الرجال ، بهيّ المنظر ، أبيض اللون ، يعلوه نور ظاهر ، بين عينيه سجادة ، إذا نظر إليه الناظر ابتهج برؤيته وبياض كريمته وأنوار طلعته ، وكان يتسلّى جليّه عن كلّ شيء بمخاطبته . ومن عجيب سيرته أنّه كان قليل النوم ، وإذا نام لا يمدّ رجليه بل يجمعهما ويتّكىء بزاوية حجرته . وكان لا يأكل في الليل والنهار إلّا مرّة واحدة ، لا يزيد على نصف الرغيف .
وكان قد سقطت كلّ أسنانه في سنّ الشباب في يوم واحد ، وذلك أنّه ابتلي بوجع الأسنان ، بحيث لم ير النوم ثلاثة أيّام بلياليها ، فوصفوا له رشّ دواء على أسنانه فرشّه وسكن الوجع ونام ولم يغسلها ، فلمّا استيقظ وجد جميع أسنانه قد تحرّكت ، فصار يأخذها بيده ويرمي بها حتّى انتزعها جميعاً ، فحرم من ملاذ الدنيا من وقت شبابه .
مرض يوم السابع عشر من جمادي الأولى بمرض البطن من غير حمى ، وتوفّي بعد العصر يوم الثاني والعشرين سنة ستّ عشرة وثلاثمائة بعد الألف ، فقامت الصيحة في داره ، هاجت البلد بأسرها ، وكثر الصراخ والبكاء من عموم الناس نساءً ورجالًا ، وكان يوماً مشهوداً ، واجتمع الناس وأخذ العرب والعجم باللطم على الصدور والنياحة ، وأغلقت الأسواق وتعطّلت ، وحمل نعشه الشريف في التخت على