تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
هامش
وقوّة النفس وحسن التوكّل وقطع النظر عن الناس . وكان لا يقبل الحقوق من كلّ أحد ، ويقول : إنّي لا أقبض ممّن يحدث نفسه أنّه أعطاني أو جاء بحقّ فرضه اللَّه عليه ، وكلّ جلّ مخارجه ومخارج عيالاته من النذور ، وكان من الورع والتحرّز قد بلغ الغاية وتجاوز النهاية ، يعرض عن الأموال الخطيرة لأدنى حزازة عرفية فضلًا عن الشبهة الشرعية . ومن خواصّه أنّه كان لا يقبل الوصية ، ولا يتولّى الأوقاف ، وأعظم من ذلك أنّه لم يحكم في قضيّة قطّ ، ولا أفتى بما يخالف الاحتياط مدّة عمره ، وكان يفصل الدعاوي العظيمة بأحسن وجه بلا تحليف ولا حكم ، وهذا من كراماته الظاهرة . كان أشبه الناس بالسيّد جمال الدين علي ابن طاووس بالورع عن الحكم والفتوى وفي الزهد والمراقبة لمولاه ، والمجاهدة ومحاسبة النفس ، وكان من أعلم الناس بعلم تهذيب الأخلاق ، وكم له من الرياضات الشرعية . وكان عالماً بالحديث والتفسير ، عالي الأنظار في الاصولين مصنّفاً فيهما ، كثير الاستحضار في الفقه حسن المسلك فيه ، خبيراً بالطبّ والرياضيات وعلم الأوائل ، وله في علم الطبّ أرجوزة ضمنها نفائس مطالب الطبّ والعرفان ، لم ينسج على منواله ناسج . وله في علم الكلام رسالة أملاها على بعض تلامذته من دون مراجعة كتاب . وكان حسن التقرير ، جيّد التحرير ، قلّ نظيره في أهل العلم في حسن البيان وتحرير المطالب ، لكنّه لعلوّ فكره وجربزة فهمه لا يرتضي تحريراته ، وكلّما كتب كتابة عاد إليها وغيّرها ، لا يتمكّن من اتمام كتاب على ما يريد . واتّفق أنّه ترك التدريس ، والخروج إلى صلاة الجماعة ، وصار لا يخرج من الدار