بوادي جازان شذر مذر ، وفقد الأخ أخاه ، والولد امّه وأباه ، ولم يجتمع شمل الناس إلّا قريب أسبوع ، وبعضهم بعد يومين أو ثلاثة وقد أضرّ به الجوع ، واهتزّت من هذه الواقعة الأرض ، وضاقت على من بظهرها مع طولها والعرض .
وفي يوم الأحد أصبح أصحاب الشريف منتشرين بوادي جازان للطمع ، وقد كان الشريف ألزم أخاه الشريف حسن بن غالب بالتقدّم إلى الأمير لاستئصال شاقته ، بعد أن بلغه استقراره بقرية الريّان .
فلمّا رأى الرائي أوّل أصحاب الشريف المنتشرين لقصد الطمع ، جاء إلى الأمير وقال : هذا الشريف وصل ، فركب الأمير لقصد اللقاء ، ورأى ممّن بقي معه توانيا لا يظنّ معه ثبات ، وصمّم على الارتحال خشية من حصول ما هو أعظم ممّا قد جرى ، فصرف عنان دابّته مدبرا ، وانتهى في إدباره إلى حرض ، وكان بمن وصل معه من الجند لا يبلغون المائتين ، والخيل نحو العشر ، وكلّ ذلك أقلّ من العشر ممّن كان مجتمعا بقرية العقدة معه .
وبنو شعبة لمّا بلغهم أنّ أصحاب الشريف منتشرون بالوادي ، ركبوا آخذين في طلبهم ، ولم يرجعوا إلى الريّان بعد ارتحال الأمير ، وارتحلوا من فورهم إلى مدينة صبيا ، وقد كان بعضهم أظنّه ارتحل في اليوم الأوّل ، ثمّ ارتحلوا في اليوم الثاني من وصولهم إلى الدرب ، والشريف حسن بن غالب كأنّه بلغه إدبار الأمير ، فقعد عمّا ألزمه الشريف به من نهوض في ذلك اليوم .
وكان من لطف اللّه عزّ وجلّ ، وحلول بعض الآمن في الوجل ، أن أظهر الشريف الصفح والعفو عن جميع الناس ، وصاح بالأمان ، فسكن ما في القلوب من الروع ، ورجع من كان فرّ على سبيل الطوع ، وكلّ من اجتمع بالشريف لا يروي عنه إلّا ذلك الذي ذكرناه من الصفح ، فقرّت بذلك العيون ، وآنست النفوس إلى القرار
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 489
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤٨٩