كتابه بآخر ، ولمّا حصل له الظنّ بإعراض الإمام عنه ، كاتب صاحب صعدة وبايعه على أن يوليه البلد إلى مدينة زبيد .
وليس بأوّل ذي همّة * دعته إلى ما ليس بالنائل
فقبل صاحب صعدة بيعته ، ومنّاه بنزول أجناد كثيرة تعينه على دفع ما جاء من عند الإمام ، فاستروح الشريف بذلك وأنس ، وفي إجابة صاحب صعدة له مع ما قد علمه من حاله الذي كان يشنّع عليه فيه للاعتراض مجال ، وكان اللايق به أن يقول له لمّا بايعه : إنّ رجوعك إلينا ليس اعترافا بحقّنا ، واعتقادا لوجوب طاعتنا ، بل لغرض دنيوي ومآربه ، لا جفاوة « 1 » جاءت بك ، وكيف ؟ وقد تواتر لديه عدم صلاحيته ، وأنزل عليه بالأمس أجنادا قصدا الاستئصال شافيه .
وممّا يقضي به العجب ، ويضيق به وجه التأويل ، أنّه قبل أن يبايعه الشريف بأيّام قلائل ، كتب إليه كتابا ، مضمونه التأنيب له ، والتشنيع عليه في أفعاله القبيحة ، وذاكره في شأن الشيخ العوسجي ، وامتناعه من فكّه ، وامتنّ عليه بفكّ الترجمان فيما مضى من غير إحواج مراسلة ولا فدا ، واستشهد له بقول ابن الصيفي ، حيث قال :
ملكنا فكان العفو منّا سجية * ولمّا ملكتم سال بالدم أبطح
وأحللتم قتل الأسارى وطالما * عدونا على الأعداء نعفو ونصفح
وحسبكم هذا التفاوت بيننا * وكلّ إناء بالذي فيه ينضح « 2 »
ولمّا بايعه أقبل يتهدّد بني شعبة في المعاونة للأمير على إزالته ، ويصفه بأنّه سيف الإسلام ، من دون أن يتحقّق منه التوبة فيما ارتكبه من الكبائر العظام .
هامش
( 1 ) في « ن » : حفاوة .
( 2 ) ديوان صفي الدين الحلّي ص 193 .