مذعورا ، وكان بعضهم يقول لصاحبه : ارم بالبندق كي يسمعه العدوّ ، فيرتدع عن الإقدام إلى موضعنا ، فإذا رمي به ، قال السامع له من أهل المدينة : هذا العدوّ دخل المدينة ، وضجّ البندق شاهد على ذلك ، فوقعوا في حيصبيص ، ثمّ حصلت الإفاقة من ذلك الإغماء بعد ذلك الوقت .
حوادث يبديها العيان كما ترى * وإن نحن حدّثنا بها رفع العقل
وفي أوّل العشر الأواخر أو آخر الوسطى من شهر محرّم من سنة خمس ومائة وألف : صمّم الشريف على الخروج بنفسه على القبائل العادية له ، فجمع الجمال ، وحشد الأجناد ، وأخذ في التأهّب لذلك والاستعداد ، واجتمع له من العسكر أهل البندق نحو ستمائة ، ومن غيرهم نحوهم ، وألزم القبائل الموافقة له ، كدكوان والأخادعة بالمحاذاة له ، بأموالهم وأهليهم ليرتفق بذلك الأجناد الذين معه ويمتازوا ، فكان إذا سار قليلا سارت الأمزجة كسيره ، وكانت طريقه من جهة المير ولا يسير إلّا زحفا .
بلغت مدّة خروجه من القلعة إلى وصوله وادي صبيا نحوا من خمسة عشر يوما ، وتزعزع من خروجه البدو وفرّقوا ، واتّصل الخبر ببني شعبة فوجلوا ، وكان قد حالف آل حبيب على الانتقام من بني شعبة ، ودخل تحت وطأته في خروجه هذا قوم من قبائلهم التي بها فعلوا تلك الأفعال .
والحاصل أنّه كان قد أعدّ من الأمور بما يظنّ ظهوره على بني شعبة لو أمهله المقدور ، وكانت القبائل لمّا فعلت تلك الأفعال العظيمة بأهل القرى ، ولم تر أحدا منهم إلّا موليا ومدبرا ، وقدر ما قدّر لها من الظهور على سرايا الشريف التي يوجّهها إليهم أوّلا وآخرا ، ثمّ رأته ساكتا مطرقا عن الأخذ بالثأر فيما قد جرى ، اعتقدت أنّ ذلك منه عجز أو ذلّ ، وكذلك أهل القرى اعتقدوا فيه ذلك الاعتقاد .