فالغرض المطلوب والحاجة التي في نفس يعقوب إنّما هي الدولة ، ولكنّهم لمّا أتوا من مأمنهم ، وخرج عليهم العدوّ من مكمنهم ، لم يصطبروا على الإقامة ، مع ما قد بلغهم من الشريف حسن بن غالب أنّهم إن تخلّفوا بعده في قريتهم عاقبهم ، فلهذا أخلوا عنها .
فلمّا كان بعد الشروق من يوم الثلوث ، أقبلت أخبار بني شعبة تملأ الفضاء ، فأتوا على قرية صلهبة خاوية على عروشها ، فأقدموا إلى مدينة صبيا ، وكان بها جند عظيم من الخيل والعسكر ، ولكن قد خامرهم الجبن ، وحلّ بأفئدتهم ذلّ الظلم ، والأمير بها الشيخ علي حضير ، وبقيّة الأجناد والرؤساء تبع له ، فلم يركن « 1 » منهم من له همّة علوية وشهامة عنترية تحمل على لقاء العدوّ قبل وصوله ، ليندفع شرّه ومعركته عن الضعفاء قبل دخول المدينة ، بل استترت تلك الأجناد وامراؤها والقوّاد بالبيوت ، ومن خرج منهم للقاء العدوّ ، فهو عندهم ممقوت .
ولمّا كانت المدينة متّسعة بعيدة الأطراف ، وقفت أجناد بني شعبة على جوانبها ، وكان ذلك الوقوف منهم كهزّ جذع النخلة ، وكان الهارب من أهل المدينة من ذكر وأنثى يقع في أيديهم ، فغنموا من الهاربين أموالا جليلة ، ودخل بعضهم ما كان من البيوت على طرف ، فنهب نهبا واسعا ، والدولة وأجنادها لم يكن في همّهم شيء سوى الرمي لمن وقف تحت دارهم ، دفعا عن أرواحهم وأموالهم .
وكلّ يرى طرف الشجاعة والندى * ولكن طبع النفس للنفس قائد
ثمّ ولّوا راجعين ، وكان مرورهم على قرية صلهبة ، ونهبوا من مخازنها ما نهبوا ، وكان في ذلك إكذاب لما ذكروه لأهلها قبل من التسكين والتأنيس .
هامش
( 1 ) في « ن » : فلم يكن .