تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
فصدّقوهم الجلاد ، ورووا من دمائهم الرماح السمر والبيض الحداد ، فثلم من الوزير غراره ، وأقبل بالمساءة عليه نهاره ، وهرب أكثر العسكر عنه ، ولاذ هو وجماعة منهم بدار حصنت بشوك السلم ، وكانوا واقفين عنده ، يحمونه وأنفسهم بالبنادق والفوارس تتخطّفهم ، وكان على صهوة دابّته بينهم ، وأمروه بالنزول خشية أن يراه فرسان بني شعبة ، فيقتحموا من أجله المسالك الصعبة ، ويقتلوهم معه ، فنزل وجثى على أقدار مطهر كان هناك ، غير مبال بلؤم لائم ، وغير ملتفت إلى قول أبي فراس :
ولا خير في ردّ الأذى بمذلّة * كما ردّه يوما بسوءته عمرو
ودخل منهم من دخل داره ، فأحرقها ، ونهب منها ما يحلّ قدره ، ويعسر ضبطه ، وكان هذا اليوم يوما مشهودا ، كريما عند المسلمين محمودا ، طابت به منهم النفس ، وقرّت به العين ، وأحيا مآثر بدر وخيبر وحنين . وروي عن بعض أهل الشقيري حكى عن نفسه : أنّه كان واقفا مع الوزير في موضعه الذي لاذ به بعد انهزامه من المعركة ، فقال : وددت أن لو دخل العدوّ إلى الوزير ليقتله ، ولو آل الحال إلى قتل من هو واقف معه وهو من جملتهم ، لشدّة ما قد نزل بالمسلمين من جوره وظلمه ، وبلغ عدد من قتل في هذا اليوم نحوا من تسعة عشر رجلا ، الأكثر من العسكر ، والباقي من أهل القرية ، ومن الخيل نحو أربع . وروي أنّ بني شعبة لم يألوا جهدا في التوصية لأجنادهم ، والتحريض عليهم في عدم قتل غير أجناد الدولة ، ولولا ذلك لكان المقتولون من أهل الشقيري أكثر من هذا القدر ، ونهبت على أهل الشقيري أموال كثيرة جليلة خطيرة ، وسلب كثير من النساء والرجال ، وكفت الحرب بعد ارتفاع الشمس ، وخلت القرية من أهلها ، وأقام الوزير بها إلى وقت العصر في حال سيّئ ، وذلّ وضيع .
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 463 | السيد مهدي الرجائي / السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي