إنّ المودّع إذا عرف أنّ صاحب الوديعة يستعملها في المعصية ، لم يسلمها إليه وله جحدها ، والحلف على أنّه ليس عنده ، وينوي يجب عليه تسليمها ، فجعلوا تسليمه إليه مع علمه بأنّه يستعملها في معصية حراما ولا قصد له .
فمسألة الأزهار والأثمار مخالفة لهذه المسائل ، غير مطابقة لمقتضى هذا الدليل ، على أنّه روى في الثمرات عن الهادي والوافي عدم الجواز أيضا .
ولا يخفى عليك أنّ ما ذكره الإمام القاسم من الدليل ، إنّما يقوم حجّة على كون الفعل معصية ، لا على كونه كبيرة توجب دخول النار ، فلعلّ جزمه باستحقاق الفاعل النكال والخلود في النار إنّما هو لترك الهجرة مع التمكّن منها ، ومع إجبار السلطان له على ذلك الفعل الذي قام الدليل على أنّه معصية وحمل عليه ، ودليل ذلك ما قدّمنا .
نعم ، وأمّا ما ذكره في الثمرات من قوله « أمّا إذا أراد سفر الحجّ أو غيره ، وعرف أنّه تؤخذ منه الإتاوة ، فقال الشافعي : إنّ ذلك يمنع وجوب الحجّ ، ومذهب الأئمّة أنّه لا يمنع ؛ لأنّ هذا شيء يشبه السكون في الأرض الذي تحكّم فيها الظلمة بما شاءوا من أخذ الشيء من المال ، فهذا جائز ، ولا تجب الهجرة لهذا عند الأكثر متى قال ذلك كالإجماع ، ويحكى الخلاف لبعضهم » فهو مع أنّه مناقض لما ذكر فيها من أنّ من حمل على معصية وجبت عليه الهجرة وفاقا ، مدفوع بما هو المروي عن الهادي والقاسم والناصر من وجوب الهجرة عن دار الفسق .
قال المنصور باللّه : وهو الظاهر من مذهب أهل البيت .
ولا شكّ أنّ الأرض التي يحكم فيها الظلمة بما شاءوا من أخذ شيء من المال دار فسق ، سواء فسّرناها بما ظهر فيها من المعصية من غير إمكان نكير ، كما هو
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 459
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤٥٩