قلت : لم لا يقال بأنّه من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب كرهينا الغيث ؟
واعلم أنّ إرادة الشيء لنفسه من غير معارضة كراهة لها بوجه من الوجوه هي الإرادة الحقيقيّة بالإجماع ، وهي الملازمة لمحبّة المراد ، كإرادة الواجبات والمستحبّات والقبائح ، لا تكون مرادة بهذا المعنى اتّفاقا ، ولا يعرف للإرادة معنى غير هذا عند الأئمّة والمعتزلة .
وقالت الأشاعرة : لها معنى ثان ، وهي الإرادة الدالّة على نفي ما يستلزم العجز من وقوع ما يكره اللّه وقوعه في ملكه من غير سبق قدر منه ، وذلك لكمال قدرته ، ونفوذ مشيئته ، وعدم ربوبيته ، فوقوع المعاصي عندهم يسمّى مرادا بهذا المعنى ، ولا تسمّى المعاصي مرادة بمثل وقوعها ، بل تسمّى مكروهة ، وتسمّى عندهم إرادة وقوعها إرادة كونيّة .
قال بعض الفحول : وهذه التسمية لو ثبتت بالنصّ ، وإنّما الثابت به أنّ ذلك مقدّر ، وليس كلّ مقدّر مرادا ، فإذن الأحوط في ذلك النظر إلى الدليل ، فالنصوص في المعاصي قاضية بأنّها مكروهة لأنفسها ، فلا تسمّى مرادة لأنفسها ؛ لتضادّ ذلك ، وعدم الدليل عليه .
فائدة أخرى في حكم وجوب الهجرة
اعلم أنّ الهجرة زمن اصطلام هذه البلية حقّت على كثير من المسلمين ، ولم يفعلها إلّا من وفّق إليها ، وقليل هو ، وعموم الظلم لكلّ موضع غير مسلّم ، وإن سلّم بوجود المواضع التي قلّ فيها الظلم ، وخفّ لا يمكن إنكاره .
وتقرّر أن يكون وجوب الهجرة على من كلّف بتسليم المال ، وهو الأكثر من الناس متّفقا عليه إلّا من له عذر شرعي ؛ لأنّ تسليم المال إلى الظالم معصية ، ومن