وكان هذا الإجلاء الثاني منهم عن وطنهم في مدّة الشريف ، وفي قدوم الشريف من خلب إلى أبي عريش ، احترقت عليه خزانة الباروت « 1 » ، وأحرقت النار جماعة من أصحابه ، وضاقت نفسه من أجل ذلك .
ثمّ أخذ في إعمال مكائد الحرب ، فجعل من العسكر جزء وافرا في ثلاثة متارس يصيبون ولا يصابون ، وبقية العسكر معه بالقلعة ، والدولة المشرقيّة وصلت عياش ، بعين مهملة مفتوحة ، فياء مثنّاة من تحت ، فشين معجمة على وزن بقال :
لمن يبيع البقل يوم الثلوث ، أو يوم الربوع ، وهو على نحو فرسخين من أبي عريش مشرقا يميل إلى اليمن ، واضطرب حال الشريف وتقلقل ، لهجوم هذه الحادثة مع شدّة بأسه ، وثبات جنانه .
ولمّا كان بعد شروق الشمس من يوم الجمعة سابع وعشرين من شهر رجب الثاني ليوم وقعة الحسيني ، أقبل من نحو المشرق يوم مستطير ، وارتفع بالجوّ نقع قد أثير ، فأردع الشريف الحزم ، واستشعر الصبر للاصطلاء بحرّ هذا اليوم ، وأخذ هو وأهل خيله نحو المشرق بقدر مدّ البصر ، فإذا جيش كثيف قد طبق الأرض بأطباقه ، فليس من أطباقه مهرب ، كئوس المنايا به مترعة ، ورؤوس المحن والبلايا محدقة به مهطعة .
فحين أن رأوا الشريف وأصحابه ، أطلقوا عليهم صواعق محرقة ، تصتكّ منها المسامع ، فكرّت الخيل راجعة ، وغشيهم من يمّ ذلك الجيش ما غشيهم ، وحملت الأجناد المشرقيّة حملة لم يتمّ لها أحد ، وتفرّق شمل أهل الخيل ، وأظلم الموضع بالقتام كالليل ، ولولا ما كان أعمله الشريف من المكائد لما عاد منهم إلى المدينة
هامش
( 1 ) في « د » : البارود .