دهاء وحلم ، وذكاء وعلم ، له معرفة تامّة بتدبير الدولة ، وخبرة بأحوال الناس ، فهو كما قال أبو الطيب :
ماضي الجنان يريه العزم « 1 » قبل غد * بقلبه ما ترى عيناه بعد غد « 2 »
نظر في العلم في خلال إمارته ، فوقع منه على قطعة لائقة بمنصبه وجلالته ، وأكثر مرامه بجبل رازح وحبور ، وكان جزل العطايا ، كريم الأخلاق والسجايا ، له محبة في القلوب ، ساعده على مراده المقدور ، والفلك بالسعادة له يدور ، وكانت حضرته ملتقى الرحال ، وموسم الفضلاء وقبلة الآمال .
وتغيّرت أحواله في آخر أيّامه ، فبطش وغشم ، وكان يبرم ما ينقض ، وينقض ما أبرم ، ولم تحصل النكبة عليه ، حتّى قتله الرعيّة وملّته ، ومولده في سنة أربع وخمسين بعد الألف .
وفي شهر جمادي الآخرة ، أو أوّل رجب من السنة المذكورة : كان قيام السيّد العلّامة جمال الدين علي بن أحمد بن أمير المؤمنين ، ويلقّب ب « المتوكّل على اللّه » ووردت كتبه إلى الشريف أحمد بن غالب ، وإلى أناس من أهل هذه الجهة ، يدعو إلى الانتظام في سلكه ، ولا نعلم أحدا أجابه إلى ما طلب .
وتوجّه إلى اليمن ، وترك بمدينة صعدة واليا ، وبجبل رازح ولده السيّد الأجلّ قاسم بن علي واليا ، ودخل مدينة الهجر بجموع كثيرة بعد حرب شديد ، وكان بها طالب بن المهدي ، وقتل في ذلك اليوم جمّ غفير ، ونهبت المدينة نهبا فضيعا ، وكان يوم دخوله يوما مشهودا ، وقبض على طالب بن المهدي ، وأرسله تحت الحفظ إلى
هامش
( 1 ) في الديوان : الحزم .
( 2 ) ديوان أبي الطيب المتنبّي ص 44 .