تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
بأنّ الإمام في نفسه القبض عليه ، فلم يزل في معاناة وفكرة ، ودهشة وحيرة . وكان من إقبال السعد لهذا الإمام ، وقوده لما تعسّر من الأمور بزمام ، أن صمّم ابن الإمام ، على تقويض الخيام ، والارتحال بأولاده وجميع ما يملك إلى الشام ، فأخفى ذلك الأمر المستنكر ، وأخذ في تأهّب عدّة الارتحال والسفر ، وكان بعد أن تأخذ الناس مضاجعها ، يأمر الخدم بلفّ أمتعته وأثقاله ، رغبة في الكتمان ورهبة من فشو حاله ، وكان إذا سئل تعريضا أو تصريحا ينكر ما هو مصمّم عليه ، وينهى من يسمع ذلك أن يصغي إليه . فلمّا كان غرّة ربيع الأوّل من السنة المذكورة : لم يشعر الناس ذلك ليلة إلّا بارتحاله ، وركوبه البحر مع أولاده وأمواله ، فزال ملكه في قدر لحظة ، من غير طعنة ، ولا ضربة ولا لفظة ، فحملتهم الجواري المنشآت ، وضمّتهم كأنّهم أموات ، بعد ما ضاق بهم القصر ، وراق بهم العصر ، وللّه درّ القائل حيث قال :
هذه الدنيا وهذا شأنها * أتعب الناس بها أعوانها وأولو الأحلام قالوا إنّها * حلم يقضي بها يقظانها
وأعجب من ارتحاله على الصفة التي ذكرناها ، إلقاؤه بنفسه إلى من بذل جهده في التأليب عليهم ، بتحشّد الأجناد وإرسالها إليهم ، كما قدّمنا من قيامه بما عيّنه عليه الإمام من الجند للشريف أحمد بن غالب ، فكان حلمه ذهب وغاب ، وهكذا الأقدار تذهب عند نزولها الألباب . واستقرّ في سفره إلى بندر جدّة ، ودخل مكّة المشرّفة ، وأقام بتلك الجهات نحوا من خمسة أشهر ، ثمّ أعمل الحيلة في خلوصه حتّى تخلّص .