محرّم الحرام سنة أربع وثلاثين وألف ، فوقعت بينهما المنافرة ، وامتلأت البلاد بالأراجيف المتظافرة ، وحاولوا ثاني ذلك النهار ، بالمناداة للشريف محسن والإشهار ، فصدّ المنادي وحماته الأنجاد ، وردّهم بالبنادق بعض الأجناد ، الموزّعين من جانب الشريف إدريس في الأرصاد ، فرجعوا ذلك اليوم ولم ينفذوا القضاء ، بعد أن أصيب بعضهم من رمي البنادق فقضى .
ثمّ لمّا كان الضحى تبادروا إلى ذلك بالوحاء ، فركب الشريف أحمد بن عبد المطّلب والمنادي معه ، تحفّ به خيل ورجال متجمّعة ، فأشهروا النداء للشريف محسن بين كلّ أحد ، والشريف محسن حلّ بالبلد ، والناس من خوف الفتنة في أشدّ محنة وكبد .
إلى أن قال بعد كلام طويل ما على نقله تعويل : ثمّ قام بالأمر الشريف محسن ، فأحسن كما أحسن اللّه إليه ، ونهض من إحكام الأحكام بما وجب عليه ، فصفت من الأمن مناهله ، ووضحت من طريق الجهل مجاهلة ، ونشر لواء العزّ ، فوطأت أكباد العصاة جنوده وصواهله ، وكان على كافّة الأحوال شديدا بأعباء الخلافة كاهله « 1 » ، إلى آخر ما ذكره العصامي في تأريخه ملخّصا .
أقول : كان هذا السيّد الشريف الماجد ، قبلة لكلّ قاصد ووافد ، وسم في سباسب « 2 » كرمه لأهل العلم مشاعر ، فحجّ إليها كلّ أديب شاعر ، ووسم قلوب الملوك الأعاظم ، بميسم الرهبة ، فغدا كلّ منهم ناشرا لمدحه وناظم ، وبسم له الدهر عن ثغر الإقبال والسعادة ، فمنح من شاء برّه وإسعاده ، نحت نحوه العلماء فأقبل
هامش
( 1 ) سمط النجوم العوالي 4 : 413 - 418 .
( 2 ) السبسب : المفازة ، يقال بلد سبسب وبلد سباسب .