أبا عون .
وأمّا شرح مبدأ حاله وكيفيّة استقامة أحواله مع هذين الشريكين ، والشريفين المليكين ، وما وقع بينهم من العناد الباعث لجلب الفساد ، في تلك البلاد ، ثمّ ما استقرّ عليه الحال ، وزوال تلك الفتن والأهوال ، فلذلك نقل طويل ينطوي على عدّة أقاويل ، لم أورده خوف الإطالة ، الجالبة للملالة ، والشرط أملك عليك أم لك ، فإنّ هذا شيء قد هذّبه إمام الأدب ورتّبه ، وهو الشيخ عبد الملك في تأليفه ، بعد أن أتعب نفسه في توليته ، فعليك به تجد ذلك مفصّلا وأصلا مؤصّلا « 1 » .
ثمّ أقول : إنّ هذا السيّد الشريف الماجد ، صفوة الملوك الأماجد ، كان منتجع الرحال ، ومصطنع الرجال ، ولي مكّة المشرّفة فاقتادها ، وأحلّته الشرافة فؤادها ، مع صولة قاهرة ، وعزمة باهرة ، غدت غرّته بها سافرة ، وكرّته ظافرة ، خدمه جماعة من الأدباء فشغف ببضاعتهم وصبا ، وهبّت به ريحهم شمالا وصبا ، قامت به سوق أهل العلم ، فاستقوا في حلبة الفكر حتّى أحرزوا القصبا .
مدحه فاضل زمانه ، ومفرد عصره وأوانه ، الأديب الأريب ، المحيي آثار ابن عبّاد وابن قريب ، القاضي تاج الدين المالكي ، لمّا عرض له في وظيفة الخطابة بالمسجد الحرام ، وألبسه القفطان يوم مباشرته لها ، وذلك لتسع عشرة ليلة خلون من شهر رمضان عام ثمان وعشرين وألف ، بقصيدة لو رآها أبو العلاء لوقف دونها متأمّلا ، أو رام شرحها ابن الأثير لأحجم ، وهو كالحائر الأسير ، وسأثبتها لك بتمامها ، لتجتني من حدائقها مفتحات كمامها ، وهي هذه :
زها بك دست الملك والتاج والعقد * غداة إليك الحلّ أصبح والعقد
هامش
( 1 ) سمط النجوم العوالي للعصامي 4 : 400 - 404 .