أشهر من أن تذكر ، وأعرق من أن تنكر .
دوّخ البلاد في الأقاصي والأداني ، وملك الرقاب والنواصي ، واستولى على الحصون والصياصي ، وأذلّ بقهر سطاه المناصي ، وجعل أرض خطاه خدّ المعاصي ، وله في الكرم أخبار وآثار ، ضارعت شهرة شجاعته في النقع المثار .
مولده في جمادي الأولى سنة ستّ وستّين وتسعمائة ، ولبس خلعة ولاية العهد سنة ثمان بعد الألف ، واستقلّ بالأمر عام عشر بعد الألف ، كما تقدّم .
واستمرّ في الملك إلى أن كان يوم الثلاثاء حادي عشري جمادي الآخرة سنة اثنتي عشرة وألف . وصل إلى مكّة خبر وفاته ، فدهي شمل المجد بشتاته ، ومني حبل السعد ببتاته ، وكان بمحلّ قرب بيشة « 1 » ، ووصلوا به ضحوة يوم الأربعاء ثاني عشري الشهر المذكور ، وقد حثّوا السير في الإدلاج والبكور ، ودفن بالمعلّاة ، وبني على ضريحه قبّة « 2 » . انتهى ملخّصا .
أقول : ومن عجيب أمر هذا السيّد الجليل ، أنّ أكثر هذا العالم إلّا القليل يعتقده بنية خالصة من قلبه ، ويتّخذه حجّة ووسيلة بينه وبين ربّه ، وما ذاك عن ضعف عقل ودين ، لهؤلاء المعتقدين ، بل إنّما نشأ ذلك الاعتقاد بعد ظهور الأسرار الخارقة لبصائر العباد ، مع أنّه كان ملكا ظلوما ، وجبّارا غشوما ، طالما قتل وسلب « 3 » ، من غير ذنب ولا سبب « 4 » ، فما أدري هل هذه ولاية ؟ أم لعقول هذا الخلق غواية ،
هامش
( 1 ) بيشة : قرية من بلاد اليمن .
( 2 ) سمط النجوم العوالي 4 : 393 - 394 .
( 3 ) في « ن » : وصلب .
( 4 ) لم يذكر أرباب التواريخ أنّه كان جبّارا غشوما ، بل صرّحوا بشفقته على الرعيّة ،