فإن قالوا : الفرق بين الأمرين أن كل مذهب تفرّد به أبو حنيفة ، فله موافق فيه من فقهاأ أهل الكوفة ، أو من السلف ، وليس كذلك الشيعة .
قلنا : ليس كل مذهب تفرّد به أحد الرجلين نعلم أن أهل الكوفة أو أهل الحجاز أو السلف قائلون به ، وإن ادّعى صحّته لكثرة الذاهبين إليه ، فالشيعة أحق بالاتّباع فيما انفردوا به ؛ لأنّهم ألزم للأدب مع الله عزّوجل وأنبيائه ورسله وأوليائه ، وأكثر تنزّها عن الشبهات ، وأشدّ ملازمة على ملازمة التقوى والعبادات .
حتّى أن جماعة منهم كانت بطون أكفّهم قد صارت كقمعات البعير لكثرة صلاتهم ، وكانوا يعرفون بالمتّقين ، ومنهم من كانت مثل ركبة البعير ، كعلي بن مهزيار ، وأمثال هؤلاء ، وأقرب إلى الاحتياط في كثير من الأحكام ، كما هو معلوم بالاستقراء ، وأعرف بالشريعة ؛ لأن خواص كل نبي لم يزالوا أعرف بشريعته وأقرب إلى الحق من أكثر امّته ؛ لأنّهم أخذوا مذاهبهم عن معدن العصمة .
ومع هذا فقد كانوا يصفونهم بالهدآية والورع والأمانة ، ولم يصدر منهم تعصّب في خلاف الحق ، كما صدر من غيرهم ، هذا .
وقد وردت النصوص النبوية « 1 » بأنّهم هم المعنيون بالفرقة الناجية ، وهذا هو المعيار عند ذوي البصائر والأبصار ، فإن مجرّد كثرة الذاهبين إلى قول لا يصلح أن يكون دليلا على حقّيته ، وإلّا لزم أن لا يكون النبي أحق بالاتّباع في ابتداء بعثته ، وبطلان اللازم دليل بطلان الملزوم .
ولقد أنصف العضدي وكان من أجلّاء علمائهم بما أورده في شرحه لمختصر الأصول ، بعد ذكر القياس واحتجاج الشيعة على منعه بإجماع العترة على عدم
هامش
( 1 ) الطرائف ص 429 - 430 .