تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة المقال في كفر أهل الضلال — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
تحصى كثرة . لأنّه كان أكثرهم جهاداً ، بل لم يكن لغيره موقفاً ولا مشهداً معروفاً ، وأقدمهم إيماناً ، بل ما أشرك أصلًا ، وأقربهم بالنبي عهداً ، وأجزلهم علماً ، وأكملهم حلماً ، وأسدّهم رأياً ، وأشدّهم ذكاءً وفطنة ، وأشجعهم قلباً ، وأسخاهم كفّاً ، وأقواهم حدساً ، وأغزرهم عبادة ، وأرجحهم زهادة ، وأحسنهم خُلقاً ، وأطلقهم وجهاً ، وأفصحهم لساناً ، حتّى قيل : إنّ كلامه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق ؛ لتضمّنه بلاغة وحكمة بالغة . وأحفظهم للكتاب العزيز ، وأسبقهم له جمعاً ، وأتمّهم حرصاً على إقامة حدود اللَّه تعالى ، ولإخباره بالغيب ، واستجابة دعائه ، وظهور المعجزات عنه ، وكثرة الانتفاع به ، واختصاصه بالقرابة والاخوّة ، ووجوب المحبّة والنصرة ، ومساواة الأنبياء ، وخبر الطائر والمنزلة والغدير وغيرها . وما كان قطّ باللَّه مشركاً ، ولا لمنكر مرتكباً ، ولا في طاعة اللَّه ورسوله مقصّراً ، ولا عن درجات السبق إلى الفضائل متأخّراً ، بل كان في سائر الكمالات متميّزاً . وأيّ عقل لا يحكم بأنّه أعظم ثواباً ، وأزيد كرامة عند اللَّه عزّوجلّ ، ممّن تستّر يوم بدر في العريش خوفاً ، وعبد الأصنام أربعين سنة ، وما صدّق للَّه‌حديثاً ، ولا كفى النبي صلى الله عليه وآله مخوفاً ، بل كان عن كلّ فضيلة متأخّراً ، وفي رأيه وعلمه ضعيفاً ، وإلى غيره فيه فقيراً ، حتّى يلتجأ هؤلاء الكفرة في ثبوت الأفضلية إلى التقليد الذي قد حكى القرآن المجيد عن الكفّار إيثارهم له بقولهم :
« إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ »
« 1 » مع أنّه لا يثمر اليقين المفروض اعتباره في هذه
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 23 .