وبعد فإنّ هذا الامتناع كيف استوجب هذه العقوبة ؟ مع أنّ النبي صلى الله عليه وآله الذي هو أشرف الأنبياء لم يقهر أهل الذمّة على الانقياد إلى شريعته التي هي أتمّ الشرائع ، بل رضي منهم بالجزية .
وكيف استجاز الصحابة ذلك ؟ مع أنّ مسألة الإمامة بزعمهم ليست من أصول العقائد ، بل هي ممّا يتعلّق بمصالح العباد في أمور الدنيا .
وهلّا قصد خليفتهم الثاني تحريق بيوت الأنصار وغيرهم لمّا امتنعوا من البيعة ، كما قصد تحريق بيت علي عليه السلام ، لكن قد كان ديدنه معه تدقيق النظر في إيذائه ، وطرح وصايا الرسول صلى الله عليه وآله فيه ، ودفع الإمامة عنه مهما أمكن ، كما ينبئ عنه صنيعه في الشورى وغيرها ، وكذا مع سائر العترة الطاهرة .
ويوضحه - مع ما تقدّم - ما ذكره البلاذري في تاريخه ، قال : لمّا قتل الحسين بن علي عليهما السلام كتب عبداللَّه بن عمر إلى يزيد لعنه اللَّه : أمّا بعد فقد عظمت الرزية ، وجلّت المصيبة ، وحدث في الإسلام حدث عظيم ، ولا يوم كيوم الحسين .
فكتب إليه يزيد : أمّا بعد يا أحمق ، فإنّا جئنا إلى بيوت متجدّدة « 1 » ، وفرش ممهّدة ، ووسائد منضّدة ، فقاتلنا عنها ، فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا ، وإن يكن لغيرنا فأبوك سنّ هذا وابتزّ واستأثر بالحقّ على أهله « 2 » .
وإنّما أهمل منازعته ومنازعة صاحبيه ومقاتلتهم دفعاً للضرر لفقد الأنصار والأولياء ؛ إذ لم يكن معتزلًا معه وموافقاً له إلّابنو هاشم خاصّة ، والباقون مختلفون في الآراء ، وهو السبب في صبر الأنبياء والأوصياء عن منازعة الفراعنة
هامش
( 1 ) في الطرائف : متّخذة ، وفي البحار : منجدة .
( 2 ) الطرائف ص 247 ح 348 ، بحار الأنوار 45 : 328 .