الصحابة من لم يسمع من الأحكام إلّاقليلًا ، ولا علم له بشيء من وجوه الاستنباط ، ككثير من الأعراب أهل البادية ، ونحوهم من المهاجرين من الأطراف ، لا ريب في بطلان الثاني .
ثمّ مع الاجتهاد هل تعتبر العدالة أو لا بل يكون هدىً مطلقاً ؟ لا ريب في بطلان الثاني أيضاً ؛ لقوله تعالى :
« إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ »
« 1 » حينئذ فكيف يستقيم قوله « فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه » وقوله « فبأيّهم اقتديتم اهتديتم » على عمومه ، وإذا لم يكن له عموم فأيّ نفع له فيما أرادوه ، ومع ذلك كلّه فإنّ المصيب من المجتهدين واحد ، والمخطىء وإن لم يكن عليه جناح فيما اجتهد فيه إلّاأنّه يصدق عليه أنّه على غير هدىً في ذلك القول .
وكذا إن احتجّوا أيضاً على ذلك بما اختلقوه من قول النبي صلى الله عليه وآله « لو أنفق أحدكم ملأ الأرض ذهباً لما نال مدى أحدهم » « 2 » وقوله « خير القرون قرني ، ثمّ من بعدهم الأقرب فالأقرب » « 3 » .
عارضناه بما تقدّم من الأخبار على أنّ تفضيل القرن المتقدّم على الذي يليه مخالف لحقائق النظر ، خارج من العدل والحكمة ، غير مطابق للواقع ؛ لأنّه قد كان في الأعصر المتقدّمة من الفراعنة ما ليس في عصرنا ، ولأنّ نبينا صلى الله عليه وآله أفضل ممّن تقدّمه من الأنبياء ، وامّته أفضل ممّن تقدّمها من الأمم ، فطرد هذه العلّة يقتضي
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 6 .
( 2 ) كنز العمّال 11 : 538 - 539 برقم : 32521 و 32522 ، الجمل للشيخ المفيدص 55 ، كشف الغمة 2 : 256 .
( 3 ) كنز العمّال 11 : 534 - 535 ، الصوارم المهرقة ص 113 .