مع أنّه بمبايعة أهل الكوفة إيّاه قد اتّصفت بالخلافة في أنظار أهل دنياه ، كيلا تقصر في المفاخرة الدنيوية علياه ، فألحقت هذه المبايعة به أوصافها ؛ لأنّ اللَّه تعالى يحبّ له معالي الأمور ، ويكره سفسافها ليقي استبداد الحسن عليه السلام بالمديدة المحبوسة من خلافة النبوّة ، وذلك لا يقتضي زيد الفضل وعلوّه ؛ لأنّ ذلك حصل له من تقدّم الولادة ، وكبر السنّ الموجب أن يقدّمه الأصغر منه في الشرع والعرف والعادة ، وفضل الحسن عليه السلام بالسنّ لا ينكر .
والكلام في الفضل بتلك الخلافة ، وهو إنّما يتمّ لو تساويا في السنّ ، إذ لا يكون حينئذ ولاية أحدهما دون الآخر إلّا بترجيح فضله عليه ، وذلك هو الذي ساق الولاية إليه ، وتقديم الكبير المساوي في الفضل للصغير متعارف عند الخلفاء والملوك ، معدود في الشرع من محاسن السلوك ، وقد يقدّم بعضهم الأكبر وإن كان الأصغر أفضل وأبرّ ، لكن هذه من مسائل الخلاف ، وللاجتهاد فيها مجال ، فعليك بالإنصاف .
ومن الشعر البليغ الحكيم في هذا المقام ، وفي إيراده هنا شفاء أسقام ، قول الخنساء إذ قيل لها : ما مدحت أخاك حتّى هجوت أباك ، فقالت :
جارى أباه فأقبلا وهما * يتعاوران مُلآءة الحُضرِ
حتّى إذا نزت القلوب وقد * لُزّت هناك العذر بالعذر
وعلا هتافُ الناس أيّهما * قال المجيب هناك لا أدري
برزت صحيفة وجه والده * ومضى على غُلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه * لولا جلال السنّ والكبر
وهما وقد برزا كأنّهما * صقران قد حطّا إلى وكر