هو بعد استقرار الأحكام ، وانعقاد الإجماع على تحريم الخروج على الجائر ، أمّا قبل ذلك فكان الأمر منوطاً بالاجتهاد . إنتهى .
وهو يفهم تأخّر انعقاد الإجماع المذكور عن مثل عصر إبراهيم وأخيه محمّد ، فيندفع القدح ، إلّا أنّه يبقى أن يقال : قد نقل عن الإمام مالك مساعدة محمّد النفس الزكية ، والإفتاء بالخروج ، وعن الإمام أبي حنيفة مثل ذلك مع إبراهيم ، حتّى أنّه كان يجاهر فيأمره . ونقل نحو ذلك الزمخشري في الكشّاف « 1 » في تفسير قوله تعالى
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
« 2 » فإن صحّ هذا النقل عن هذين الإمامين ، أشكل دفع القدح في هذا الإجماع ، واللَّه تعالى أعلم .
وقال صاحب عمدة الطالب في ترجمة إبراهيم المذكور : ويكنّى أبا الحسن ، وكان يرى مذهب الاعتزال ، وكان شديد الأيد ، فيحكى أنّه كان واقفاً مع أخيه محمّد وأبيه عبداللَّه وإبل لهم تورد ، وفيها ناقة شرود لا تملك ، فأقبلت مع الإبل ترد ، فقال محمّد لإبراهيم وهو ملتفّ في شملة : إن رددتها فلك كذا وكذا ، فوثب إبراهيم ، فقبض على ذنبها ، فشردت الناقة ، وتبعها إبراهيم ممسكاً بذنبها ، حتّى غابا عن أعينهم ، فقال عبداللَّه لابنه محمّد : بئسما صنعت عرّضت أخاك للتلف ، فلمّا كان بعد ساعة أقبل إبراهيم ملتفّاً بشملته ، فقال محمّد : ألم أقل لك إنّك لا تقدر على ردّها ، فأخرج ذنب الناقة فألقاه ، وقال : أما يعذر من جاء بهذا .
وكان إبراهبم من كبار العلماء في فنون كثيرة ، فيقال : إنّه كان أيّام اختفائه بالبصرة قد اختفى عند المفضّل بن محمّد الضبّي ، فطلب منه دواوين العرب
هامش
( 1 ) الكشّاف 1 : 309 .
( 2 ) سورة البقرة : 124 .