أقول : قف من القصيدة على هذا البيت الأخير ؛ إذ قد تقدّم في هذه الرسالة إشارة إلى بعض مضمونه ، فلولا أنّ مضمونه كان مسلّم الثبوت عند الامّة لما أقدم عليه الفرزدق ، ولكان هشام استباح به دمه ، ولم يقتصر على حبسه .
قال : فلمّا سمعها هشام غضب ، وحبس الفرزدق بعسفان ، فأمر له زينالعابدين عليه السلام باثنيعشر ألف درهم ، وقال : اعذر لو كان عندنا أكثر لوصلناك به ، فقال : إنّما امتدحته للَّهلا للعطاء ، فقال زين العابدين عليه السلام : إنّا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده ، فقبلها الفرزدق ، ثمّ هجا هشاماً في الحبس ، فبعث فأخرجه .
أقول : وأورد الشيخ أحمد بن الفضل باكثير في وسيلة المآل هذه القصيدة ثمانية وعشرين بيتاً ، وختم بها كتابه توسّلًا إلى حسن الخاتمة في المآب .
وقال عند إيرادها في أثناء النهي والتحذير عن الاستخفاف بأهل البيت : ولذلك لمّا فهم الفرزدق من هشام بن عبد الملك ذلك أخذته غيرة الإسلام ، فقام إليه يلومه ، وأنشده القصيدة التي هي من غرر القصائد ، وبأمثالها يرغم أنف كلّ عدوّ وحاسد ومعاند ، ثمّ أورد القصيدة « 1 » .
هامش
( 1 ) وأورد العلّامة ابن شهرآشوب المازندراني المتوفّى سنة ( 588 ) في مناقبه ( 4 : 169 - 172 ) القصيدة بتمامها ، وهي :يا سائلي أين حلّ الجود والكرم * عندي بيانٌ إذا طلّابه قدموا
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلّ والحرم
هذا ابن خير عباد اللَّه كلّهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي أحمد المختار والده * صلّى عليه الإله ما جرى القلم
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه * لخرّ يلثم منه ما وطى القدم