معه : يا بن عبّاس انّك شيخ قد كبرت ، فبكى ابن عبّاس ، وقال : قد أقررت عين ابن الزبير . تمام النقل ذكره الحافظ الذهبي « 1 » .
وقاطعون أيضاً بأنّ ظنّه لم يكن خطأً وباطلًا ، ورأيه لم يكن أفناً ولا فائلًا ؛ لما ذكرناه من القرائن الوثيقة ، والدلائل الأنيقة ، وللقطع بأنّه موفّق مسدّد محفوظ ملحوظ لآية التطهير ، وحديث الكساء ، وحديث المباهة ، وغير ذلك ممّا مرّ بعض منه ، فما وقع عليه من المغلوبية حتّى أفضى إلى القتل والفوز بالشهادة وعظيم السعادة يجب أن ينسب إلى مناكدة الدنيا ، ومعاكسة الدهر ، ومجاري الأقدار ، وقد علم أنّ ذلك في هذه الدار من خصوصيات الأبرار ، وكرامة اللطيف القهّار لعباده الأخيار .
على أنّه لا نسلّم أنّ جميع النصحاء وأهل الرأي بالاتّفاق منعوه من المسير إلى شيعته بالعراق ، فقد صوّب ذلك له وحسّنه ابن الزبير ، وكونه كان يودّ مفارقته الحجاز ؛ لأنّ وجوده دون مطلوب ابن الزبير حجاز ، كما صرّح به ابن عبّاس ، وأظهره بتصاعد الأنفاس ، لا يستلزم غشّ ابن الزبير في النصيحة ، وركوبه تلك الشناعة الصريحة ؛ إذ يجوز أن يكون ذلك عنده هو الرأي ، ووافق هواه وأدّى النصح وفي ضمنه ما نواه .
ومثل ابن الزبير أعرف بنقد هذا الرأي ، وما جرى مجراه من أسباب الخلافة التي لم تزل هي معزاه ، وإليها مقذاه وسراه ، وقد بلغها ونالها وجرّها إليه ولم تأته منقادة تجرّ أذيالها ، فمثل هذا أعرف بالأسباب الموصلة إليها من نصحاء الحسين عليه السلام الذين لم يستولوا عليها .
هامش
( 1 ) تاريخ الإسلام للذهبي 5 : 9 .