الحسين عليه السلام : انّه لمّا أرهقه القتال ، قال لهم : أتؤمنوني ؟ قالوا : لا إلّا على الحكم ، فقال : احكّمكم في نفسي ، ثمّ قاتل حتّى قتل « 1 » . إنتهى .
ففي التحكيم في النفس من الذلّ والإهانة ما اختار القتل دونها مثل المختار ، وهو تحكيم لمثل مصعب بن الزبير ، فكيف لا يكون في تحكيم مثل الحسين عليه السلام مثل يزيد ، فضلًا عن ابن مرجانة وسميّة ذلّة وإهانة تبلغ ما ذكرناه .
ولك أن تقول : إنّه وأصحابه - رضي اللَّه تعالى عنهم - قاتلوا راجين للسلامة غير قاطعين بالموت ، فقلّبوا وقتلوا ، وذلك هو شرط الشهادة والإبعاد عن الإلقاء باليد إلى التهلكة ، كما في كلّ مجاهد .
ويتمسّك في ذلك بأمرين :
أحدهما : ما ذكره بقوله « وليس يمتنع أن يكون الحسين عليه السلام في تلك الأحوال مجوّزاً » الخ . والذي أشار إليهم بقوله « فقد فعله نفر » منهم من ذكرهم الذهبي بقوله :
وكان مع عمر بن سعد ثلاثون رجلًا من أهل الكوفة ، فقالوا له : يعرض عليكم ابن بنت رسول اللَّه ثلاث خصال ، فلا تقبلون منه شيئاً ، وتحوّلوا مع الحسين عليه السلام ، فقاتلوا معه « 2 » . ورجوع الحرّ بن يزيد إلى الحسين عليه السلام وتوبته وقتاله بين يديه حتّى قتل مشهور ، وفي غالب كتب السير مذكور .
والأمر الثاني : أنّ مقابلة الألوف بالعدد القليل ، ومقاتلة الواحد للألف ونحوهما ، كان دأب أبطال العرب ، كعنترة ، وعامر بن الطفيل ، والحارث بن ظالم ، وهو الذي ردّ كتيبة الملك النعمان المسمّاة بالدوسر وحده ، وقصّته مذكورة في أمثال
هامش
( 1 ) تاريخ الإسلام للذهبي 5 : 59 .
( 2 ) تاريخ الإسلام للذهبي 5 : 14 .