لرجائه أنّ أهل الكوفة إن لم ينصروه ، فهم يثبّطون عن قتاله ، أو يثبّطوا المخلصون منهم غيرهم ، وإمّا بأن ينتدب لنصره منهم جمع ينضمّ إلى من معه ، فيحصل جمع يقاتل به وإن كان قليلًا .
وهذا هو الظنّ الذي بقي عنده في نصرة أهل الكوفة ، وكذلك سمّيناه الظنّ الضعيف ، وقلنا : لم يعوّل عليه إلّا اضطراراً ، ومعلوم أنّ مقاتلة الكثير بالقليل يحتاج إلى رجال صدق وإخلاص عظيم ، وثبات زائد ، وإلّا فرّوا ، فكسروا الصادقين معه ، وقد كان هؤلاء المجتمعون عليه أعراباً ونحوهم انضمّوا إليه بعد الخروج من مكّة ، ذكر ذلك صاحب وسيلة المآل وغيره ، فلذلك قال ما قال ليتميّز رجال هذه الحقيقة من غيرهم ، ويذهب الجفاء ، ويبقى من ينفع لمثل هذا اللقاء .
كان خروج الإمام الحسين عليه السلام من صواب الرأي
وأمّا إنّ مسيره إلى الكوفة لم يكن من خطأ الرأي ، فمن وجهين :
الأوّل : علمه بأنّ ابن زياد في العراق ويزيد بالشام ، وكلّ الأقطار بيده وعمّاله فيها ، وقد علم هو وابن زياد وغيره من عمّاله خروج الحسين عليه السلام بالسيف ، ومكاشفته إيّاهم ، وقد أفسد عليهم أهل الكوفة لولا تدارك ابن زياد اللعين لأمرهم ، وهم شيعته وشيعة أبيه وجدّه الذين أشجوا معاوية بالحروب ، وأشرقوه بالريق ، والشيعة بالعراق وغيره من الأقطار في غاية الكثرة ، بل كلّ المسلمين إلّا الخوارج والنواصب على الاستثناء المنقطع شيعة وأولياء وأنصار لعترة النبي صلى الله عليه وآله وأقاربه ما لم يؤثروا الدنيا على الآخرة ، وينبذوا الدين وراء ظهورهم .
فجزم الحسين عليه السلام بأنّ الطلب وراءه حيثما كان ، وانّهم لا يعتنون بأحد اعتناءهم به حتّى يهلكوه ، ولعلّهم لا يطمئنّون إليه فيبقوه في الحياء ، ولو بايعهم وأظهر طاعتهم فإلى أين يتوجّه لو رجع عن وجهه ذلك ، وهو حيث يستقرّ يدركه الطلب ،