والتأمّل .
وقد أجرى اللَّه تعالى العادة لانقسام الناس إلى رئيس ومرؤوس ، وأن يكون من لم يخلق فيهم رآسة ، كالأذناب في التبع لُاولئك الرؤوس ، وما قام نظام التمدّن البشري البدوي أو الحضري إلّا بالرؤساء ، وهم أهل العنان والزمام لمن عداهم من أنواع الأنام .
فالحسين عليه السلام لمّا غلب على ظنّه انقياد جميع الرؤساء إليه ، وإطبقاهم عليه ، للقرائن التي ذكرناها ، والدلائل التي حرّرناها ، فأهل الدين منهم والتقوى والبصائر بمجرّد المكاتبة إليه عليه السلام ، وإعطاء الأقوال والمعاهدة ، ومن عداهم بالروابط والحوافظ التي ذكرناها في أثناء بيان القرائن والدلائل على غلبة الظنّ منه عليه السلام بالنصرة له ، والنهوض معه حتّى يبلغ المقصود .
ثمّ كان قد ظهر أثر لذلك الظنّ الغالب ، وبارق من عارض حصول المطالب ، بما ذكره المرتضى وغيره ، من متابعة أكثر أهل الكوفة لمسلم بن عقيل ، ولم يحضر عندهم الحسين عليه السلام بنفسه بعد ، فكيف لو كان حاضراً .
ثمّ وقد روى أهل السير والتاريخ ، ومنهم الحافظ الذهبي أنّ عبيداللَّه بن زياد لمّا بلغه مسير الحسين عليه السلام ، فسار من البصرة إلى الكوفة ، ودخلها وهو متلثّم ، فجعلوا يقولون : مرحباً يا بن بنت رسول اللَّه « 1 » .
وهذا أيضاً من دلائل صدق ذلك الظنّ ، ولو كان الداخل عليه السلام قبل ابن زياد لتمّ الدست ، وانتظم له الأمر ، بل وبعد دخول ابن زياد قبل قبض هاني بن عروة ، كما لا يخفى .
هامش
( 1 ) تاريخ الإسلام للذهبي 5 : 10 .