هذا ، وقول الشيخ أحمد بن الفضل باكثير « وبلغ الحسن عليه السلام ذلك ، وتحقّق فساد نيّات أكثر أصحابه وخذلانهم له ، ولم يبق ممّن يأمن غائلته » إلى قوله : « فكتب إلى معاوية بالصلح » الخ ، هو عين ما حملنا عليه كلام أهل السنّة والجماعة القائلين ، كما ذكر في الصواعق : لا يعتدّ بتسليم الحسن عليه السلام الأمر إليه ؛ لأنّه لم يسلّمه إلا للضرورة ، لعلمه بأنّه - أي : معاوية - لا يسلّم الأمر إليه ، فلم يترك الحسن عليه السلام الأمر له إلّا صوناً لدماء المسلمين « 1 » .
وذلك أنّ مرادهم سفك الدماء الذي لا يحصل منه مطلوب الحسن عليه السلام ؛ إذ لم يبق معه ممّن يثق به - كما ذكر الشيخ أحمد باكثير - إلّا جمع لا يقاوم جيش أهل الشام ولا بعضه ، فلو قاتل لقتل جمع عظيم مركّب من خلّص أصحابه وأهل بيته ومن أهل الشام ، إذ لا يقتل الخلّص من أصحابه وأهل بيته إلّا بعد أن يفتكوا الفتك العظيم ، ويبيدوا العدد الكثير ؛ لأنّهم شجعان مستميتون ، ثمّ لا يحصل المطلوب ، بل يؤول أمره إلى القتل أو الهرب إن تمّ له ورضي به ، أو إلى البخوع بالطاعة وتسليم الأمر على ذلّة واستكانة شديدة ، مع تحمّل دماء المسلمين .
هذا إن تمّ له ذلك ، وإلّا فالاحتمال الراجح أنّ أهل الدغل والخيانة الذين هم أكثر أصحابه يمنعونه هو وخلّص أصحابه وأهل بيته من صدق القتال ، بأن يشغبوا ويوقعوا الهرج والارجاف ، أو يصرّحوا بالمكافحة والمقاتلة منعاً من صدق القتال ، فيبقى حينئذ هو وخلّص أصحابه وأهل بيته بين نارين عدوّين : أحدهما معهم ومخالط لهم ، والآخر مقابل ، وهذا هو البلاء الأعظم ، والهلاك الأشدّ ، ويفضي في أسرع وقت إلى القبض عليه عليه السلام ، وتسليمه لعدوّه ، فقد كاتبوا معاوية من قبل أن
هامش
( 1 ) الصواعق المحرقة ص 217 .