جاء عنهم أنّه لا يصلح الكذب إلّا في حرب ، أو إصلاح بين الناس ، فإنّ الحرب خدعة ، ولك في ذلك سعة ؛ إذ كنت محارباً ما لم تبطل حقّاً .
واعلم أنّ أباك إنّما رغب الناس عنه إلى معاوية أنّه أساء بينهم في الفيء ، وسوّى بينهم في العطاء ، فثقل ذلك عليهم .
واعلم أنّك تحارب من حارب اللَّه ورسوله في ابتداء الإسلام ، حتّى ظهر أمر اللَّه ، فلمّا وحّد الربّ ، ومحق الشرك ، وعزّ الدين ، أظهروا الإيمان ، وقرؤوا القرآن ، مستهزئين بآياته ، وقاموا إلى الصلاة وهم كسالى ، وأدّوا الفرائض ، وهم لها كارهون .
فلمّا رأوا أنّه لا يعزّ في الدين إلّا الأتقياء الأبرار ، توسّموا بسيماء الصالحين ، لتظنّ المسلمون بهم خيراً ، فما زالوا بذلك حتّى شركوهم في أماناتهم ، وقالوا :
حسابهم على اللَّه ، فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ، وإن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين ، وقد منيت بأولئك وبأبنائهم وأشباههم .
واللَّه ما زادهم طول العمر إلّا غيّاً ، ولا زادهم ذلك لأهل الدين إلّا مقتاً ، فجاهدهم ولا ترض دنيّة ، ولا تقبل خسفاً ، فإنّ علياً لم يجب إلى الحكومة حتّى غُلب على أمره فأجاب ، وإنّهم يعلمون أنّه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل ، فلمّا حكموا بالهوى ، رجع إلى ما كان عليه حتّى أتى عليه أجله ، ولا تخرجنّ من حقّ أنت أولى به ، حتّى يحول الموت دون ذلك ، والسلام « 1 » .
وفي هذا الكتاب من ابن عبّاس بلاغة ونصيحة ودهى ، تنقطع دونها الأنفاس ، وتأييد لما نسبه آنفاً إلى الحسن وأبيه عليهما السلام فاعرف القياس .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد 16 : 23 - 24 .