أوّل من رفعني في الشعر عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ، فأخذ عليّ ألّا أمدح أحداً غيره ، وكان والياً على المدينة ، وكان لا يدع برّي وصلتي والقيام بمؤونتي .
فلم ينشب أن عزل وولي غيره مكانه ، وكان الوالي من بني الحارث بن كعب ، فدعتني نفسي إلى مدحه طمعاً أن يهب لي كما كان عبد الواحد يهب لي ، فمدحته فلم يصنع بي ما ظننت ، ثمّ قدم عبد الواحد المدينة فأخبر أنّي مدحت الذي عزل به ، فأمر بي فحجبت عنه ، ورمت الدخول عليه فمنعت .
فلم أدع بالمدينة وجهاً ولا رجلًا له نباهة وقدر من قريش إلّا سألته أن يشفع لي في أن يعيدني إلى منزلتي عنده ، فيأبي ذلك فلا يفعله ، فلمّا أعوزتني الحيل أتيت عبداللَّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه وعليهم .
فقلت : يا بن رسول اللَّه إنّ هذا الرجل قد كان يكرمني وأخذ عليّ ألّا أمدح غيره ، فأعطيته بذلك عهداً ، ثمّ دعاني الشره والكدّ إلى أن مدحت الوالي بعده ، وقصصت عليه قصّتي ، وسألته أن يشفع لي .
فركب معي ، فأخبرني الواقف على رأس عبد الواحد أنّ عبداللَّه بن حسن لمّا دخل إليه قام عبد الواحد ، فعانقه وأجلسه إلى جنبه ، ثمّ قال : أحاجة غدت بك أصلحك اللَّه ؟ قال :
نعم ، قال : كلّ حاجة لك مقضية إلّا ابن هرمة ، فقال له : إن رأيت ألّا تستثني في حاجتي فافعل ، قال : قد فعلت ، قال : فحاجتي ابن هرمة ، قال : قد رضيت عنه وأعدته إلى منزلته .
قال : فتأذن له أن ينشدك ؟ قال : تعفيني من هذه ، قال : أسألك أن تفعل ، قال : ائتوا به ، فدخلت عليه وأنشدته قولي فيه :
وجدنا غالباً كانت جناحاً * وكان أبوك قادمة الجناح
قال : فغضب عبداللَّه بن حسن حتّى انقطع زرّه ، ثمّ وثب مغضباً ، وتجوّزت في الانشاد ثمّ لحقته ، فقلت له : جزاك اللَّه يا بن رسول اللَّه ، فقال : ولكن لا جزاك اللَّه خيراً يا ماصّ بظر امّه وتقول لابن مروان : « وكان أبوك قادمة الجناح » وأنا ابن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وابن علي بن أبي طالب ، فقلت : جعلني اللَّه فداك إنّي قلت قولًا أخدعه به طلباً لدنياه ، وواللَّه ما قست به أحداً قطّ ، أفلم تسمع قد قلت فيها : « وبعض القول يذهب بالرياح » فضحك عبداللَّه وقال :