المنام الآن ، فلمّا وقف على القبر المقدّس وزاره خاطبه وأنشده ، وقال :
صلاة وتسليم على أشرف الورى * ومن فضله ينبو عن « 1 » العدّ والحصر
ومن قد رقا السبع الطباق بنعله * وعوّضه اللَّه البراق عن المهر
وخاطبه اللَّه العلي بحبّه * شفاهاً ولم يحصل لعبد ولا حرّ
عدولي عن تعداد فضلك لائق * يكلّ لساني عنه في النظم والنثر
وماذا يقول الناس في مدح من أتت * مدائحه الغرّاء في محكم الذكر
سعيت إليه عاجلًا سعي عاجز * بعبء ذنوب جمّة أثقلت ظهري
ولكنّ ريح الشوق حرّك همّتي * وروح الرجا مع ضعف نفسي ومعفقري
ومن عادة العرب الكرام بوفدهم * إعادته بالخير والجبر والوفر
وإن يك وفد قد مضى لنزيلهم * فكيف وقد أوعدتني الخير في مصر
فحقّق رجائي سيّدي في زيارتي * بنيل منائي والشفاعة في حشري
قال طاب مثواه : وصلت رابع عشر شهر صفر سنة ( 944 ) .
قلت : وكان قدومه إلى البلاد كرحمة نازلة ، وغيوث هاطلة ، أحيى بعلومه نفوساً أماتها الجهل ، وازدحم عليه أُولوا العلم والفضل ، كأنّ أبواب العلم كانت مقفّلة ففتحت ، وسوقه كانت كاسدة فربحت ، وأشرقت أنواره على ظلمة الجهالة فاستنارت ، وابتهجت قلوب أهل المعارف وأضاءت ، أشهر ما اجتهد في تحصيله منه وأشاع ، وظهر من فوائده ما لم يطرق الأسماع ، رتّب الطلّاب ترتيب الرجال ، أوضح السبيل لمن طلب الكمال .
وفي هذه السنة توشّح ببرود الاجتهاد ، وأفاض مولاه عليه من السعادة ما أراد ،
هامش
( 1 ) في الدرّ : ينبوعي .