والجواب عن ذلك أن نقول : إنّهما قدوتان نبيّ وإمام ، فإن كان أحدهما قدوة لصاحبه في حال اجتماعهما ، وجب أن يكون الامام قدوة للنبيّ في تلك الحال ، لموضع ورود الشريعة المحمّديّة بذلك ، بدليل قوله عليه السلام « يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه » فإن استووا فأفقههم ، فإن استووا فأقدمهم هجرة ، فإن استووا فأصبحهم وجهاً ، والمهدي عليه السلام أفقه من عيسى عليه السلام ، وأعلم منه بالكتاب العزيز والسنّة وغير ذلك ، مع أنّه ليس هما عليهما السلام ممّن يأخذه في اللَّه لومة لائم ، وهما معصومان من ارتكاب القبائح والمداهنة والريا والنفاق ، ولا يدعو الداعي لأحدهما إلى فعل ما يكون خارجاً عن حكم الشريعة ، ولا مخالفاً لمراد اللَّه تعالى ورسوله .
فإذا كان الأمركذلك ، فالامام أفضل من المأموم ، ولو علم الإمام أنّ عيسى أفضل منه لما جاز أن يتقدّم عليه ، وكذلك إن علم عيسى أنّه أفضل منه لما جاز أن يقتدي به لعصمتهما ، ولموضع تنزيه اللَّه تعالى لهما عن كلّ مكروه من رياء أو نفاق أو محاباة أو غير ذلك .
ولما تحقّق عيسى عليه السلام أنّ الامام أفضل منه وأعلم قدّمه وصلّى خلفه ، ولولا ذلك لم يسعه الاقتداء بالامام ، فهذه درجة الفضل في الصلاة ، ثمّ الجهاد هو بذل النفس بين يدي من يرغب إلى اللَّه تعالى بذلك ، ولولا ذلك لم يصحّ لأحد جهاد بين يدي النبيّ صلى الله عليه وآله ولا بين يدي غيره .
والدليل على صحّة ما ذهبنا إليه قوله تعالى
( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ )
« 1 » ولأنّ الامام نائب في امّة نبيّه ، ولا يسوغ لعيسى عليه السلام أن يتقدّم على
هامش
( 1 ) التوبة : 111 .