ولكن بين الخبرين تناقض بإثبات استيحاش المؤمن وقت انصراف الزائر عنه ونفيه . نعم لو كان قوله عليه السّلام « لا يستوحش » أي : المؤمن إذا انصرف عنه الزائر ابتداء منه لا جوابا عمّا بلغه وسأله عنه ، لكان لهذا التوجيه الأخير وجه في الجملة ؛ لأنّ عالم الأرواح مأنوس لا وحشة فيه ، والأرواح فيه يأنس بعضها ببعض كما سيأتي ، فإذا فارق روح من هذا العالم إلى غيره استوحش ، فإذا وجد فيه ما يستأنس به أنس ، فإذا فارقه ذلك الأنيس استوحش بسبب المفارقة ، فالأوّل ما نفاه الكاظم عليه السّلام ، والثاني ما أثبته الصادق عليه السّلام .
روى في الكافي بسنده عن حبّة العرني ، قال : خرجت مع أمير المؤمنين عليه السّلام إلى الظهر ، فوقف بوادي السلام كأنّه مخاطب لأقوام ، فقمت بقيامه حتّى أعييت ، ثمّ جلست حتّى مللت ، ثمّ قمت حتّى نالني مثل ما نالني أوّلا ، ثمّ جلست حتّى مللت ، ثمّ قمت وجمعت ردائي .
فقلت : يا أمير المؤمنين إنّي قد أشفقت عليك من طول القيام ، فراحة ساعة ، وطرحت الرداء ليجلس عليه .
فقال : يا حبّة إن هو إلّا محادثة مؤمن أو مؤانسته .
قال : قلت : يا أمير المؤمنين وإنّهم لكذلك ؟
قال : نعم ، ولو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون ، فقلت : أجسام أم أرواح ؟ فقال : أرواح ، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلّا قيل لروحه : ألحقي بوادي السلام ، فإنّها لبقعة من جنّة عدن « 1 » .
ويستفاد منه أيضا أنّ المؤمن يأنس بزائره ويراه ، ويحدّثه بما عنده لو كان له
هامش
( 1 ) فروع الكافي 3 : 243 ح 1 .