قلت : معنى كونه روضة أنّه يفسح له قبره ، ويخدّ له خدّ إلى الجنّة التي بالمغرب ، فيدخل عليه منها الروح في حفرته إلى يوم القيامة ، وهذا لا ينافي وحشته ووحدته ما دام فيه .
هذا ، وحاصل الحديث المذكور أوّلا على ما فهمه منه صفوان بن يحيى ، حيث قال لأبي الحسن موسى عليه السّلام : بلغني أنّ المؤمن إذا أتاه الزائر آنس به ، فإذا انصرف عنه استوحش ، فقال : لا يستوحش « 1 » .
كذا في الفقيه ، أنّ موتاكم المؤمنين إذا حضرتم عند قبورهم يأنسون بكم ، فإذا غبتم عنهم استوحشوا . وطريق الصدوق إلى صفوان هذا : إمّا حسن ، أو صحيح .
قال في مشيخة الكتاب : وما كان فيه عن صفوان بن يحيى ، فقد رويته عن أبي رضي اللّه عنه ، عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صفوان بن يحيى « 2 » .
ولا يخفى ما فيهما ، وهما حسنتان على المشهور ، وصحيحتان على ما تقرّر عندنا من التناقض ، فإنّ مفاد الأولى أنّ المؤمن بعد انصراف الزائر عنه يستوحش ، ومفاد الثانية أنّه بعد انصرافه عنه لا يستوحش .
وتوهّم تخصيص الأولى بغير المؤمن ، فاسد لا وجه له ؛ لأنّ المؤمن وسيّما مثل جميل بن درّاج وحفص بن البختري لا يزور غير المؤمن ، ولا يترحّم عليه ، وغير المؤمن لا يأنس بحضوره ، ولا يستوحش بغيبته ، وذلك لأنّ العداوة بين المؤمن وغيره لا تزول في البرزخ بل في القيامة أيضا .
كما قال خليل الرحمن :
وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ
إلى يوم
هامش
( 1 ) من لا يحضره الفقيه 1 : 181 برقم : 544 .
( 2 ) مشيخة من لا يحضره الفقيه 4 : 446 .