فقول ابن قتيبة « إن كان هذا قسما » مبني على أنّ إضماره مع كونه خلاف الأصل لا باعث عليه ولا داعي إليه ، ولكنّه ضعيف بعد ورود الحديث الدالّ على إضماره ، اللّهمّ إلّا أن يمنع صحّته ، أو يقول : وعلى تقدير صحّته فهو لا يفيد علما ولا عملا لكونه من الآحاد ، والظاهر أنّه كان ذاهلا عنه .
ثمّ أقول : ويرد على ما سنح للأنباري زائدا على البعد والتعسّف ، أنّ هذا الذي ذكره وأوّل الحديث عليه لا يختصّ بمؤمن مات له ثلاثة أولاد ، بل كلّ المؤمنين فيه شرع سواء .
كما يدلّ عليه ما رواه البيضاوي عن جابر ، أنّه صلّى اللّه عليه وآله سئل عن قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
فقال : إذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعد ربّنا أن نرد النار ، فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة « 1 » .
وفي رواية أخرى : عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه سئل عن المعنى ، فقال : إنّ اللّه تعالى يجعل النار كالسمن الجامد ، ويجمع عليها الخلائق ، ثمّ ينادي المنادي : أن خذي أصحابك وذري أصحابي ، فوالذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها « 2 » .
ومن هنا يعلم ضعف تأويل القتيبي أيضا ؛ لأنّه قد ادّعى أنّ النار تمسّه ولكن زمانا قليلا ، والقليل من زمن مثل هذه النار يقع به ألم عظيم .
وظاهر هذه الأخبار ينفيه ، فإنّه صريح في أنّهم وقت ورودهم عليها لا شعور لهم بها ولا بإيلامها ؛ لكونها خامدة وقتئذ ، وصيرورتها عليهم بردا وسلاما ، وقوّة
هامش
( 1 ) أنوار التنزيل 2 : 44 .
( 2 ) مجمع البيان 3 : 526 .