لا قليلا ولا كثيرا .
وأمّا أنّ أهل العلم فسّروه بتفسير أبي عبيد ، فليس بحجّة عليه بعد أن لم يكن هذا قسما عنده ؛ إذ لا يصحّ حينئذ جعل الخبر إشارة إليه ، فلا يصحّ قوله ، فكأنّه قال : لا يرد النار إلّا بقدر ما يبرّ اللّه قسمه . وإذا لم يكن أصل التأويل صحيحا عنده ، فكيف ظنّك بمرجّحاته .
نعم يرد عليه أنّ تأويله هذا يفيد أنّ كلّ مؤمن يموت له هذا العدد من الأولاد تمسّه النار وإن كان قليلا . ولا يخفى أنّه غير لازم ، وخاصّة إذا لم يكن الحديث إشارة إلى الآية ، أو كانت هي منسوخة ، فتأمّل .
وفي نهاية ابن الأثير : وفي الحديث « لا يموت لمؤمن ثلاثة أولاد فتمسّه النار إلّا تحلّة القسم » قيل : أراد بالقسم قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
تقول العرب : ضربه تحليلا ، وضربه تعزيرا ، إذا لم يبالغ في ضربه ، وهذا مثل في القليل المفرط في القلّة ، وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبرّ به قسمه ، مثل أن يحلف على النزول بمكان ، فلو وقع به دفعة خفيفة أجزأته ، فتلك تحلّة قسمه ، والمعنى لا تمسّه النار إلّا مسّة يسيرة مثل تحلّة قسم الحالف ، ويريد بتحلّته الورود على النار والاجتياز بها ، والتاء في « تحلّة » زائدة .
ومنه الحديث الآخر « من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوّعا لم يأخذه الشيطان ، ولم ير النار تمسّه إلّا تحلّة القسم » قال اللّه تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
« 1 » .
أقول : هذا الحديث يؤيّد قول أبي عبيد ، وقول من قال : إنّ القسم فيه مضمر ،
هامش
( 1 ) نهاية ابن الأثير 1 : 429 - 430 .