أمّا أوّلا : فلما جاء في السفر الأوّل من التوراة : إنّ اللّه خلق جوهرا ، فنظر إليه نظر الهيبة ، فذابت أجزاؤه فصارت ماء ، ثمّ ارتفع منه بخار كالدخان ، فخلق منه السماوات ، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض ، ثمّ أرساها بالجبال « 1 » .
وعلى هذا فذلك الجوهر أوّل موجود عيني تعلّق به علمه تعالى .
وأمّا ثانيا : فلما ورد في الخبر عن سيّد البشر ، أنّه قال : أوّل ما خلق اللّه نوري « 2 » . وفي رواية : روحي « 3 » . وفي أخرى : القلم « 4 » . فكان ذلك النور أو الروح أو القلم أوّل موجود عيني تعلّق به علمه تعالى لا هذا الماء .
وأمّا خامسا : فلأنّ الماء لو كان قد أفيض عليه الروح وأعطي له العلم والدين :
فإمّا مع كونه محلا وقابلا لذلك الفيض ، أو لا معه .
فإن كان الأوّل والمبدأ الفيّاض لا بخل فيه ولا منع من جانبه ، فلم أخذ منه الروح وسلب عنه العلم والدين .
وإن كان الثاني ، كان ذلك وضعا للشيء في غير محلّه فكان ظلما ، وهو تعالى غني عن ذلك ، وقد ورد من وضع الحكمة في غير أهلها جهل ، ومن منع أهلها ظلم ، فأعط كلّ ذي حقّ حقّه .
وقال الفاضل الصالح المازندراني في شرح قوله « وحمّل دينه وعلمه الماء » أي : حمّل الماء عبادته وطاعته ، أو سلطانه ومعرفته وعلمه بحقائق الأشياء ،
هامش
( 1 ) الملل والنحل 2 : 64 .
( 2 ) عوالي اللآلي 4 : 99 .
( 3 ) بحار الأنوار 18 : 345 و 57 : 58 و 306 .
( 4 ) بحار الأنوار 57 : 309 .