المتشرّع العارف بمحاورات العرب ومواقع استعمالاتهم ، أن يقول به لا على وجه الاحتمال والامكان ، بل على سبيل القطع ، كأنّه أقام عليه قاطع البرهان .
وبمثل هذا التأويل القبيح المستكره ضلّ وأضلّ من أضلّ وأضلّ ، ثمّ غلطه في التأويل ودعواه ما لا أصل له فيه ، وحمله الكلام على ما لا يحتمله ، كلّه سهل في جنب اعتقاده هذا لو مات عليه ولم يرجع عنه ، نعوذ باللّه منه .
والظاهر أنّ هذا المعنى خطر بباله ، فكتبه ذاهلا عمّا يلزمه من المفاسد ، أو كان ذلك لشدّة ميله ومحبّته على ما نسجه الفلاسفة وخمّنوه ، فكان كما ورد في الخبر :
حبّك للشيء يعمي ويصمّ .
ونحن نرجو من اللّه الكريم أن يكون قد هداه قبل مشاهدته الدار الآخرة ، برجوعه عن هذا الاعتقاد السخيف المخالف للإجماع والأخبار المستلزم للكفر ، أعاذنا اللّه من موبقات الإسلام ، وما يمنعنا عن الوصول إلى دار السلام بمحمّد وآله الكرام عليهم السّلام .
أقول : وفي كلام المعقّب أيضا نظر .
أمّا أوّلا : فلأنّ معنى خلق شيء من شيء جعل ذلك الشيء ، وهو مدخول من مبدأ تكوّنه ومنشأ وجوده ، كخلق الإنسان من الطين أو النطفة ، قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ - مِنْ طِينٍ - * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ
« 1 » .
فالأنبياء والأوصياء عليهم السّلام لكونهم من سنخ الإنسان ، مخلوقون : إمّا من طين ، أو من ماء مهين وهي النطفة .
فكيف يقال : إنّهم خلقوا من تلك المادّة ، وهي بدون الحياة غير قابلة للعلم
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون : 13 .