والظاهر أنّ الوجه في فقر من أحبّهم من المتّقين - ما سبق - أنّ اللّه يحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض ، فيكون لطفا به وحفظا له عن المفاسد ، كما مرّ .
وإنّما خصّ السيّد الفقر في الخبر بعد حمله على المتعارف منه بالأتقياء من محبّيهم الكاملين في التقوى والمحبّة : إمّا ليطابق الواقع ، أو لورود الأخبار الدّالة على ضيق معيشة أمثالهم لضرب من المصلحة ، كما أومأنا إلى نبذة منه .
وما لا يصل إليه عقولنا أكثر ، والمخصّص كما يكون نقليا كذلك قد يكون عقليا ، كما هو المصرّح به في أصول الأصحاب ، واللّه ورسوله ومن أسند إليه الخبر أعلم بالصواب .
واعلم أنّ الفقر على أقسام : فقر الدنيا ، وفقر الآخرة ، وفقر القلب . صرّح به بعض العلماء ، فكما يصحّ أن يقال : إنّه أراد به فقر الدنيا أو الآخرة على ما مرّ ، يصحّ أن يقال : إنّه أراد به فقر القلب ، وأخرج الكلام مخرج الموعظة والنصيحة ، والحثّ على تحصيل العلوم الدينية والمعارف اليقينية .
فكأنّه قال : من أحبّنا فليعدّ لفقر قلبه ما يجبره من التفقّه في الدين ، والتفكّر في حقائق الأشياء على وجه يفيد اليقين . وظاهر أنّ الحثّ على جبر هذا الفقر أهمّ من الحثّ على جبر غيره لأنّه مناطه .
ثمّ قال السيّد السند في الكتاب المذكور : قال أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة : وجه الحديث خلاف ما قاله أبو عبيد ، ولم يرد إلّا الفقر في الدنيا .
ومعنى الخبر : إنّ من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدنيا ، والتقنّع فيها ، وليأخذ نفسه بالكفّ عن أموالها وأعراضها ، وشبّه الصبر على الفقر بالتجفاف أو الجلباب ؛ لأنّه يستر الفقر ، كما يستر الجلباب أو التجفاف البدن .
قال : ويشهد بصحّة هذا التأويل ما يروى عنه عليه السّلام أنّه رأى قوما على بابه ، فقال :
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 478
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤٧٨