يا قنبر ما هؤلاء ؟ فقال له قنبر : هؤلاء شيعتك ، فقال : ما لي لا أرى فيهم سيماء الشيعة ؟ قال : وما سيماء الشيعة ؟ قال : خمص البطون من الطوى ، يبس الشفاه من الظمأ ، عمش العيون من البكاء « 1 » .
هذا كلّه قول ابن قتيبة ، والوجهان جميعا في الخبر حسنان ، وإن كان الوجه الذي ذكره ابن قتيبة أحسن وأنصع « 2 » .
أقول : ولكن فيه أنّ الأظهر ما قدّمناه من الاستعارة المكنّية .
وعليه فالجلباب أو التجفاف ليس بمشبّه به ، ليكون في الكلام استعارة مصرّحة ، بل هو من ملازمات المشبّه به ، فالاستعارة تخييلية ، وأنّ ما استشهد به لا يشهد له .
بل غاية ما دلّ عليه أنّ الشيعة ينبغي لهم أن يكونوا من أهل الرياضات والمجاهدات ، ومن أرباب هذه السمات ، صائمين قائمين باكين ، فقراء كانوا أم أغنياء ، بل كون أغنيائهم على هذه الصفات أحسن وأزين ، وأنّ من أحبّهم لا يلزمه أن يأخذ نفسه بالكفّ عن أموال الدنيا وأعراضها .
كيف ؟ وقد كان بعض محبوبيهم كالصادق عليه السّلام وغيره كثير المال كما سبق ، وقد ورد الحثّ البليغ في تحصيله وضبطه وربطه وصيانته وعدم إضاعته ؛ لأنّه عزّه وعونه ، ونعم العون الدنيا على الآخرة .
وأنّه لم يذكر نكتة ولا فائدة لقوله « أو تجفافا » بعد قوله « جلبابا » بل جعلهما جميعا مشبّها به للصبر على الفقر في الستر ، وعليه كان ذكر أحدهما مغنيا عن
هامش
( 1 ) أصول الكافي 2 : 233 ، وبحار الأنوار 41 : 4 .
( 2 ) أمالي السيّد المرتضى 1 : 13 .