يروون أنّ لك مالا كثيرا ، فقال : ما يسوءني ذلك ، إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام . الحديث « 1 » .
قال بعض المحقّقين من أصحابنا : إنّ ترك الدنيا بالكلّية ليس هو مطلب الشارع من الزهد فيها والتخلّي عنها ؛ لأنّه يراعي نظام العالم باشتراك الخلق في عمارة الدنيا وتعاونهم على المصالح ، ليتمّ بقاء النوع الإنساني ، وترك الدنيا وإهمالها بالكلّية يهدم ذلك النظام وينافيه .
بل الذي يأمر به هو القصد في الدنيا ، واستعمال متاعها على القوانين التي وردت به الرسل ، والوقوف فيها عند الحدود المضروبة في شرائعهم دون تعدّيها .
وبما قرّرناه ظهر أنّ وجه الحديث خلاف ما قالوه ، بل الوجه فيه ما أسلفناه .
وبالجملة إن أراد هذا القائل إنّ هذا الكلام منه عليه السّلام حثّ لمن أحبّهم على لبس إزار الفقر والفاقة ، وترك أسباب الغنى والثروة وما يوجبها بالكلّية ، فيردّه ما سبق وما ورد من استعاذتهم منه .
فهذا سيّد العابدين وزين الساجدين يقول في دعائه : ولا أفتقرنّ ومن عندك وسعي « 2 » .
وفي موضع آخر منه : وصن وجهي باليسار ، ولا تبتذل جاهي بالاقتار « 3 » .
فكيف يحثّون أحبّاءهم وأولياءهم بلبس إزار الافتقار والاقتار ؟ وهم يتأبّون عنه ، ويلتمسون اللّه في صيانة ماء وجههم باليسار ، وعدم ابتذال جاههم بالاقتار .
نعم لو كان المراد بالفقر هو الفقر إلى اللّه دون غيره وطلب الحاجة منه لا من
هامش
( 1 ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص 99 .
( 2 ) الصحيفة الكاملة السجّادية ص 98 ، الدعاء : 20 .
( 3 ) الصحيفة الكاملة السجّادية ص 98 ، الدعاء : 20 .