تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
ثمّ حديث القابلية والمناسبة لا يناسب أذواق المتصوّفين ، بل الأوّل يوافق أقاويل المشّائين ، والثاني يناسب كلمات المتألّهين ، ولعلّه رام بذلك أن يشير إلى أنّ هذه المذاهب بأربعتها ، متشاركة متقاربة في أن لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه . أمّا مذهب الأشعرية ، فظاهر . وأمّا مذهب الصوفية والمشّائية ، فلما مرّ وسيأتي . وأمّا مذهب متألّهي الحكماء ، فلأنّ ما سوى اللّه عندهم ليس له وجود ، بل هو منسوب إليه ؛ لأنّ الوجود ليس عارضا له ، ولا قائما به ولا بمهيته ، بل مصداق حمل الوجود عليه مجرّد انتسابه إليه ، كما أنّ الحدّاد من ينسب إليه الحديد ، وهي مصداق حمله عليه لا من يقوم هو به . وإذا لم يكن له وجود ، فكيف له تأثير ؛ إذ التأثير تابع للوجود ، فإذا لم يكن لم يكن . وفيه أنّ الوجود البديهي المشترك بين الموجودات أمر اعتباري ، والماهيات متّصفة به حقيقة بالضرورة ، والمنازع مكابر مقتضى عقله ، فإن أرادوا أنّه ليس قائما بها حقيقة ، أوليس هو في الواقع أصلا ، فمكابرة وإن اعترفوا به ، لكن قالوا : للممكنات علاقة مع الواجب ينتزع بها منها هذا الأمر البديهي ، فليس هذا مذهبا آخر غير مذهب المشّائين والمتكلّمين . هذا ، ثمّ قال : وثالثها مرتبة توحيد الذات ، وهناك تنمحي الإشارة ، وتنطمس العبارة ، ولا أجد من الوقت المساعدة للخوض فيه ، فإنّه بحر عميق . وقريب منه ما نسجه القاساني في بعض مؤلّفاته ، حيث قال : إنّ المخلوقات مع تباينها في الذات والصفات والأفعال ، وترتّبها في القرب والبعد من الحقّ الأوّل والذات الأحدية تجمعها حقيقة واحدة إلهية ، جامع لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أنّ المركّب من المجموع شيء واحد هو الحقّ ، حاشا الجناب الإلهي عن وصمة الكثرة والتركّب ، بل هو هو والأشياء أشياء .