أو كان يشركنا فيها فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم فيها
أو لم يكن لإلهي في جنايتها * ذنب فما الذنب إلّا ذنب جانيها
وهذا مضمون حديث روي عن عالم من أهل بيت النبوّة عليهم السّلام .
والحاصل أنّ الحكماء لا ينفون التأثير عمّا عداه تعالى ، بل يثبتون له تأثيرا وينفون عنه الاستقلال به ، ويقولون : إنّ تأثيره مغلوب مقهور في جنب تأثيره تعالى ؛ لئلّا يتوهّم نفي التأثير عنه تعالى فيما عدا الصادر الأوّل ، فما يوهمه كلامهم من نفي التأثير عمّا سواه مطلقا ، فهو مبني على ما قلناه سالفا من الوجوه ، وبذلك تتلائم كلمتهم وتتمّ أدلّتهم ، فليتأمّل أهله .
ثمّ قال : وأعود إلى أصل الكلام ، وأقول : إنّ هذه المرتبة من التوحيد ، وهو توحيد الأفعال أوّل فتوحات السالكين إلى اللّه تعالى . وثانيها مرتبة توحيد الصفات ، وهو أن يرى كلّ قدرة مستغرقة في قدرته الشاملة ، وكلّ علم مضمحلا في علمه الكامل ، بل يرى كلّ كماله لمعة من عكس كماله ، كما أنّ الشمس إذا تجلّت وانتشرت أضواءها على الأعيان .
فالذي لا يتحقّق عليه جليّة الحال ربما يعتقد أنّ الأعيان مشاركة للشمس في النور ، لكن المتبصّر يرى أن تلك الأنوار بأسرها نور الشمس ، ظهرت عليها بحسب قابلياتها ومناسباتها إيّاها ، وهذه أعلى من الأوّل ومستلزمة له .
أقول : وضعفه ظاهر ؛ لأنّه مجرّد تمثيل لا يناسب المقامات الحكمية ؛ لأنّه إن أراد أن لا قدرة مؤثّرة عدا قدرته تعالى ، فممنوع والسند ما مرّ . وإن أراد أن قدرة غيره في جنب قدرته مقهورة مغلوبة ، أو أنّها فائضة منه وهو منحها إيّاه ، فمسلّم ولا يفيد ؛ إذ لا نزاع فيه ، وكذا الكلام في سائر الكمالات والصفات ، وكون كلّ كمال لمعة من عكس كماله ومظهرا من مظاهره ، مبني على أصل فاسد قد سبق إليه الإيماء .