تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
وبذلك يوفّق بين كلاميه . وبالجملة المشهور أنّ جمهور المعتزلة وبعض الفلاسفة يقولون : بأنّ أفعال العباد مستندة إليهم صادرة عنهم بقدرتهم واختيارهم ، ولا مدخل لقدرة اللّه وإرادته في أفعالهم حتّى بطريق اللطف ، وإن كان قادرا على صرفهم ومنعهم عن أفعالهم . ومنه يظهر أنّ الحكماء يقولون « 1 » بأنّ أفعالهم واقعة بقدرتهم واختيارهم بلا إيجاب واضطرار ، كما هو المشهور منهم ، كيف ؟ وهم من العقلاء ، والعاقل لا يقول بالجبر . وما أحسن ما قال أبو هذيل العلّاف ، وبعضهم ينسبه إلى بهلول : حمار بشر أعقل من البشر ، فإنّ حماره يفرّق بين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه ، حيث إنّه إذا وصل إلى نهر صغير يمكنه العبور عنه يطأه ، وإن وصل إلى ما لا يقدر على العبور عنه لا يخوض فيه وإن أوجع بالضرب . وهذا دليل على أنّه يفرّق بين المقدور وغير المقدور ، وأحسن منه ما قال الشاعر :
كلّ مقالته الإله أضلّني * وأرادني ما كان عنه نهاني أيقول ربّك للخلائق آمنوا * جهرا ويجبرهم على العصيان إن صحّ ذا فتعوّذا من ربّكم * وذروا نعوذكم من الشيطان
وأحسن منه ما قال الآخر :
لم تخل أفعالنا اللاتي نذمّ بها * إحدى ثلاث خصال حين نأتيها إمّا تفرّد ربّنا بصنعتها * فيسقط اللوم حين نبديها
هامش
( 1 ) أراد بعضهم ، فإنّ أكثرهم يقولون : لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه ، وإرادة العبد مصدّقا لإيجاده الفعل على يده ، بل الجبر من لوازم قواعدهم « منه » .