ممكن الصدور عن الغير ، فلا منافاة بين عموم قدرته وكون غيره قادرا ومؤثّرا ، وإليه الإشارة بقوله : « فمتى ملّكنا ما هو أملك به منّا كلّفنا » .
يعني : إنّه تعالى وإن كان قادرا على كلّ ما هو مقدور العباد ، إلّا أنّ قدرته المقرونة بجميع شرائط التأثير لا تتعلّق بإيجاد أفعالهم وحركاتهم لمكان التكليف ، فاقتضت حكمته البالغة وعلمه بالنظام الأعلى تمكينهم وإقدارهم على الفعل والترك ، بحيث إن شاؤوا فعلوا بقدرتهم ، وإن شاؤوا تركوا ، ثمّ تكليفهم ، وإلّا لم يبق للتكليف وما يترتّب عليه من استحقاقهم التعظيم على الاتيان بما كلّفوا به والإهانة على تركه محلّ ، ولذا متى أخذ منهم ما هو مناط التكليف وضع تكليفه عنهم .
فظهر أنّهم مالكون لما يفعلون وقادرون عليه ، وبه يستحقّون الثواب والعقاب ، كما يصرّح بذلك قوله عليه السّلام في جواب محمّد بن أحمد بن الهيثم الشامي لمّا سأله أكان مسيره إلى الشام بقضاء من اللّه وقدره ؟ بعد كلام طويل :
ويحك ظننت قضاء لازما ، وقدرا حاتما ، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ، إنّ اللّه سبحانه أمر عباده تخييرا ، ونهاهم تحذيرا ، وكلّف يسيرا ، ولم يكلّف عسيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ، ولم يعص مغلوبا ، ولم يطع مكرها ، ولم يرسل الأنبياء لعبا ، ولم ينزل الكتب للعباد عبثا ، ولا خلق السماوات والأرض وبينهما باطلا ، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار « 1 » .
وقد قال عليه السّلام في هذا الحديث بعد قوله : وسقط الوعد والوعيد ، ولكان المذنب
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ص 481 رقم الحديث : 78 .